بأسلوب التحدي والقوة. وفرض الله القتال على المسلمين. وكان هؤلاء ممن كتب عليهم القتال ، ووجهت إليهم الدعوة ، فما ذا كان موقفهم؟ (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ). إن القرآن يحدثنا عن لحظات الضعف التي عاشوها إزاء هذه الدعوة ، فقد واجهتهم حقيقة الخصائص الذاتية الكامنة في نفوسهم ، فهم لا يعيشون القوة الروحية في المستوى الذي يجعلهم أقوياء في مواجهة التحدي ، فلم تكن مواقفهم الأولى منطلقة من قاعدة صلبة في داخل ذواتهم ، بل كانت منطلقة من حالة انفعالية طارئة بعيدة عن دراسة الموقف وحسابات الساحة. وهكذا بدأوا يواجهون حقيقة أنفسهم ، فها هم ينهارون أمام حالة الرعب من قوة الأعداء فلا يستطيعون التماسك أمامها. وهذا ما صوره القرآن لنا بهذه الصورة المعبرة : (إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) فهم يخافون من الناس ، كما يخافون من الله ، أو أكثر من ذلك ، ولهذا واجهوا الموقف بعدم الاستجابة للدعوة إلى القتال ، خوفا من عذاب الناس ، في ما يمكن أن تسفر عنه المعركة من جراحة أو قتل.
وقد دفعهم هذا الخوف إلى موقف ضعف مدمّر ، عبروا به عن ضعف إيمانهم ، في ابتهالهم إلى الله ، في لهجة توحي بالعتاب أكثر مما توحي بالخشوع : (وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ...) إن القتال يدفعنا إلى أن نفقد حياتنا في المعركة ، ولكننا نحب الحياة ونريدها أن تستمر إلى الأجل المحتوم الطبيعي الذي جعلته لكل إنسان يعيش ويموت حتف أنفه ، ولكن الله يريد أن يوقظ في أعماقهم روح الإيمان ومعناه وامتداده ، ويفلسف لهم قصة الموت والحياة في نفس المؤمن ووعيه ... (قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) إن الإيمان يمثل انفتاح الإنسان على الله بكل كيانه ، فيحب ما أحبه الله ، ويكره ما كرهه الله ، ويختار ما أراده الله ، ويجعل الحياة كلها رحلة في طريق الله ، وعلى هذا فإن المؤمن يختار الموت في سبيل الله إذا اختار الله له ذلك ، ويحب الحياة من أجل الله إذا اختار الله له ذلك.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
