وكانت مواقف الصمود والاستشهاد من قبل الذين لم يهاجروا ، حتى أذن الله بالقتال. ووقف هؤلاء المؤمنون الذين قال لهم الله من خلال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : (كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) ، فذلك ما ينبغي لكم القيام به ، على أساس ما تقتضيه المصلحة الإسلامية في هذه المرحلة لأن إقامة الصلاة تمثل انفتاح الإنسان على الله للحصول على القرب منه ، من حيث هي معراج روح المؤمن إلى الله ، فذلك هو الذي ينمّي في داخله القيم الروحية والمعاني الإنسانية ، كما أن الزكاة بمعناها الواسع ، وهو العطاء ، تمثل انفتاح الإنسان على الإنسان الآخر المحروم في حاجاته الخاصة والعامة لمساعدته على تجاوز حالة الحرمان التي يعانيها ؛ الأمر الذي ينمي إنسانيته في علاقته بالآخر من خلال علاقته بالله ، فذلك هو الذي يقدّم الإنسان المسلّم إلى العالم من موقعه الروحي والإنساني ، مما يترك تأثيره الإيجابي على استجابة الناس للإسلام باعتباره الدين الذي يبلور للإنسان إنسانيته ويحوّله من إنسان مستغرق في ذاته إلى إنسان منفتح على الآخرين والعالم كله من موقع المسؤولية العامة عن الإنسان والحياة ، على أساس أن الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.
وقد نستوحي من هذا الخط الفاصل بين تكليف المسلمين في مكة وتكليفهم في المدينة أن مكة كانت ساحة الإعداد والتعبئة الروحية والثقافية والاستقامة في العمل من أجل صنع الطليعة الواعية القائدة لحركة الصراع تحت قيادة النبي محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أما المدينة ، فهي ساحة الصراع التي تتحدى وتواجه التحدي من خلال قوة المسلمين الجديدة التي تريد أن تكون رقما صعبا في موازين القوة ، وهذا ما يفسر الخطوط العملية الفارقة بين الموقعين.
ولم يرتح المسلمون إلى ذلك. ومرّت الأيام ، وجاءت التجربة الإسلامية الجديدة في المرحلة الثانية الصعبة ، وهي مرحلة المواجهة للكفر
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
