بين ما يمثلون من انتماء وبين ما يمارسون في حياتهم من خطوات ؛ (أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ) هؤلاء هم الذين لعنهم الله ، وأبعدهم عن ساحة رحمته وغفرانه ؛ وكيف لا يبعدهم عن رحمته وساحة رضوانه ، وهم يسيئون إلى المبادئ التي يقولون إنها وحي الله وكتاب الله. فإن الله لا يقرّب إلا الناس الطيبين الذين يعيشون الخير في أفكارهم وأفعالهم ومنطلقاتهم في الحياة.
(أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً) فما قيمة أن يلتفّ الناس من حوله ، أو يهتفوا باسمه ، أو يتجمعوا لنصرته؟ ما قيمة ذلك كله إذا كان الله يريد أن يخذله؟ إنه سوف يحسّ بالوحشة تفترس أمنه الداخلي ، عند ما يخلد إلى نفسه فيشعر بالوحدة ، لأن الله هو المهيمن والمسيطر على الناس والأشياء ، بيده كل شيء ، أما الناس فإنهم لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضرا ولا نفعا إلا بالله ، ولا تنطلق علاقاتهم إلا من خلال الضعف الإنساني المتحرك في نطاق الطمع والرغبة والخوف ، وما إلى ذلك من نقاط الضعف الصغيرة والكبيرة ، فلا تمتلئ نفس الإنسان الذي يحترم نفسه إلا من خلال قوة الله التي تفيض على حياته بالقوة النابضة بالحياة ، فإن الإنسان الذي يشعر أنه مع الله ، أو أنه قريب إليه ، يشعر بأنه قويّ كبير بالله ، حتى لو لم يكن هناك من أحد حوله ، أو كان الناس كلهم ضدّه. وهذا ما عبّر عنه الإمام علي عليهالسلام ، الذي كان يعيش الوحدة في طريق الحق وهو يسير فيه بمفرده : «لا يزيدني كثرة النّاس حولي عزة ، ولا تفرّقهم عنّي وحشة ...»(١)، وكان يقول لولده في وصيته له : «لا يؤنسنَّك إلا الحقّ ، ولا يوحشنّك إلا الباطل» (٢) ويقول للناس : «أيها النّاس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله فإنّ النّاس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير ، وجوعها طويل» (٣).
__________________
(١) نهج البلاغة ، رسائل أمير المؤمنين ، رسالة : ٣٦ ، ص : ٤٠٩.
(٢) (م. ن) ، خطبة : ١٣٠ ، ص : ١٨٨.
(٣) (م. ن) ، خطبة : ٢٠١ ، ص : ٣١٩.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
