(إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)
وتتصاعد أجواء التحذير والتهديد لهؤلاء الذين أوتوا الكتاب ، بعد أن استنفدت أساليب الإقناع والعتاب ، فيأتي النداء حاسما بالاستسلام لدعوات الإيمان التي تحمل في داخلها الحجة المقنعة لهم ؛ (يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ) فهذا الكتاب الذي نزّله الله على محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، جاء مصدقا لما معهم من الكتاب ، ومنسجما مع الأجواء الروحية والفكرية المهيمنة عليه ، مما يدل على وحدة المصدر والطريق والهدف ؛ الأمر الذي يفتح لهم أبواب القناعة ، (مِنْ قَبْلِ أَنْ (١) نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها). فإن لم يفعلوا وساروا في طريق التمرّد والتحدّي ، فإن الله سوف يطمس وجوههم فيردّها على أدبارها ؛ وذلك كناية عن العقاب الذي يغيّر كل ملامحهم ، حتى يتساوى وجه الإنسان مع ظهره. وقد جاء عن بعض المفسرين أن المعنى : أن نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها في ضلالتها ذمّا لها بأنها لا تفلح أبدا ، وقيل : إن معناه نجعل في وجوههم الشعر كوجوه القرود ، وقيل : إن المراد حتى نمحو آثارهم في وجوههم أي نواحيهم التي هم بها ، وهي الحجاز الذي هو مسكنهم ونردّها على أدبارها حتى يعودوا إلى حيث جازوا وهو الشام ، (أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ) أو يلعنهم كما لعن أصحاب السبت فيمسخهم قردة وخنازير. (وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً) في ما يتوعّد به أو يهدّد المنحرفين عنه والمعاندين لرسله ورسالاته.
ولقد جعل الله ـ على نفسه ـ المغفرة للعاصين والمنحرفين عن هداه ، من خلال رحمته التي وسعت كل شيء ، ليرجعوا إليه ، وليستقيموا في طريقه ، وليبدأوا حياة جديدة في خط الطهر والاستقامة والإيمان ، لأن المعصية قد تنطلق من نزوة ، وقد تتحرك من هفوة ، وقد تعيش في حياة الإنسان نتيجة خطأ أو غرور أو شبهة يلتبس فيها الحق بالباطل ، فيريد الله
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
