اجتناب الكبائر في طريق المغفرة
في هذه الآية حديث عن وجود كبائر وصغائر في المحرمات الإسلامية ، ودعوة إلى اجتناب كبائرها ، كشرط من شروط المغفرة والرضوان من الله ، باعتبارها مظهرا من مظاهر التوبة الحقيقية التي يعبّر بها الإنسان عن رجوعه إلى الله وعودته إلى رحاب طاعته ، ولكن ، هل معنى ذلك التسامح في ارتكاب الصغائر أو التشجيع على الاستهانة بها؟
الظاهر أن الآية ليست واردة في هذا السياق ، بل هي واردة في مورد التأكيد على الأساس الذي تنطلق منه التوبة ، لأن ذلك هو الذي يمثّل القاعدة الإيمانية المتحركة في عمق الروحية للإنسان ؛ فإن الاجتناب عن الكبائر ينطلق من إرادة واعية ثابتة للتغيير ، بينما تمثّل الصغائر ـ غالبا ـ حالة طارئة يمارسها الإنسان بشكل سريع لا دخل لها بركائزه الفكرية ، ليكون الاجتناب عنها أساسا للتوبة ، فربما تصدر من الإنسان المؤمن الصالح في بعض حالات الغفلة السريعة ، وهذا ما يمكن أن نستوحيه من قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ) [الأعراف : ٢٠١] وقوله تعالى : (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) [النجم : ٣٢] من خلال التعبير بكلمة (طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ) و (اللَّمَمَ) بما توحيه الكلمة الأولى من انطلاق الفعل من فكرة تطوف بالإنسان من خارج ثم تذهب ، وما توحيه الكلمة الثانية من اعتبارها شيئا يلمّ به الإنسان وهو في الطريق من دون أن يتوقف عنده. فإن ذلك يعني أن قضية التوبة هي قضية الإرادة المتمثلة باجتناب الكبائر التي تنطلق من خلق أو عادة أو وضع ثابت في حياة الإنسان ، وليست قضية الأشياء الطارئة السريعة التي لا يلمّ بها الإنسان حتى يتركها. وربما كان اجتناب الكبائر مظهرا من مظاهر القدرة على اجتناب
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
