في الآية الأولى بيانا للمنهج الذي وضعه الله لعباده ؛ من أجل أن تتكامل لهم المعرفة والهداية والسير على الخط المستقيم ، بعيدا عن كل المقارنات والمعادلات في ما حولهم ومن حولهم ... أما في هذه الآية ، فقد جاءت لتدخل الإنسان في عملية موازنة ومقارنة ، في ما يواجهه الإنسان من العناصر الشريرة المنحرفة التي تريد أن تضله وتبعده عن الله ؛ ليوازن بين ما يريده الله له وبين ما يريده له الآخرون ؛ فإن الله يريد أن يبلغ بالإنسان إلى الدرجات العليا التي يحصل بها على رضا الله تعالى ، من خلال ما تعنيه كلمة التوبة من مقدمات ونتائج.
(وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً) فليس لهؤلاء قاعدة أساسية ثابتة في فكر الإنسان وروحه وضميره ، وليس لهم هدف كبير في حياتهم يسعون إليه ، ليكون لهم ـ من خلال ذلك ـ المستوى الذي يجعلهم موضع ثقة الآخرين ومحل اعتمادهم ، بل كل ما هناك أنهم يعيشون للجانب الحسي الحيواني في حياتهم وحياة الآخرين ؛ فالحياة عندهم لذة وشهوة ، والإنسان عندهم كائن ذو شهوات ، والمبادئ لديهم تتلخص في العمل على الوصول إلى الارتواء من ينابيع الشهوات ما أمكنهم ذلك. وهكذا اختصر القرآن ذلك كله بقوله (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ ...) ، فهي القبلة التي يتوجهون إليها في كل تطلعاتهم ومشاعرهم. وإذا كانت الشهوات هي التي يتبعونها ويقودون الناس إليها ، فإن الغاية التي يستهدفونها هي أن يميل الناس عن الخط الصحيح المستقيم ميلا عظيما ، لأن الشهوات لا تخضع لميزان دقيق متوازن ، يحفظ للإنسان مصلحته الحقيقية في خط الاستقامة ، بل إنها تنخفض وترتفع تبعا للأجواء الحسية المحيطة بمشاعر الإنسان ونزواته ، مما يؤدي به إلى أن يفقد توازنه ويميل نحو الهاوية ـ التي تنتظره ـ ميلا عظيما.
وماذا بعد ذلك؟ إن القرآن يتابع الخط الإلهي الذي ينطلق فيه التشريع ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
