العقوبات الدنيوية ، فقد اقتصرت على الجوانب المتعلقة بالنفس والعرض والمال ، في ما يمارسه الناس من أعمال متعلقة بهذه الأمور ؛ وهذا هو الباب الذي عنونه الفقهاء بكتاب الحدود والقصاص والديات ؛ وربما كان الأساس في ذلك ، هو اهتمام الإسلام بالجانب الذي يحفظ للفرد والمجتمع بنيانه الذاتي في علاقاته الفردية والاجتماعية ، فيرتكز النظام العام للحياة على أساس قويّ ثابت ؛ فإذا غفل الإنسان عن جانب العقوبة في الآخرة ، باعتباره من الغيب الذي لا ينفعل به الإنسان إلا من خلال شعور ضاغط ، كان الجانب الدنيوي للعقوبة كفيلا بتحقيق الانضباط أمام حدود الله.
وقد جاءت هاتان الآيتان ، لتتحدثا عن التخطيط الأولي في الإسلام للعقوبة على الفاحشة التي هي من المفاهيم العامة ، التي يمكن أن تنطبق على أكثر من حالة من حالات الانحراف الأخلاقي ، لا سيما الأعمال المتعلقة بالجانب الجنسي من علاقات الإنسان ؛ فقد أطلقت على الزنى في قوله تعالى : (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً) [الإسراء: ٣٢] وعلى اللواط في قوله تعالى : (وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) [النمل : ٥٤] ؛ كما أطلقت على بعض العلاقات المحظورة شرعا ، في قوله تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً) [النساء : ٢٢] ؛ وقد جاءت بعض الآيات للتحدث عن المفهوم ، بشكل عام ، يشمل الانحرافات المتنوّعة ، في قوله تعالى : (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) [الأعراف : ٢٨] ، وفي قوله تعالى : (وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ) [الأنعام : ١٥١]. كما وردت كلمة الفحشاء المعبّرة عن المفهوم ، في أكثر من آية. ولعل الأساس في هذا الشمول في المعنى هو طبيعة المعنى اللغوي لهذه الكلمة ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3268_tafsir-men-wahi-alquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
