وِقْراً. فَالْجارِياتِ يُسْراً) (١) وهو عندهم شعر من بحر البسيط.
والجواب عن هذه الدعوى التي ادعوها من وجوه أولها أنّ الفصحاء منهم حين أورد عليهم القرآن ، لو كانوا يعتقدونه شعرا ، ولم يروه خارجا عن أساليب كلامهم ، لبادروا إلى معارضته ، لأن الشعر مسخر لهم ، سهل عليهم ، فيه ما قد علمت من التصرف العجيب والاقتدار اللطيف.
فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك ولا عولوا عليه ، علم أنهم لم يعتقدوا فيه شيئا مما يقدره الضعفاء في الصنعة ، والمرملون في هذا الشأن. وإن استدراك من يجيء الآن على فصحاء قريش ، وشعراء العرب قاطبة في ذلك الزمان ، وبلغائهم وخطبائهم وزعمه أنه قد ظفر بشعر في القرآن ذهب أولئك النفر عنه ، وخفي عليهم شدة حاجاتهم إلى الطعن في القرآن والغض عنه والتوصل إلى تكذيبه بكل ما قدروا عليه. فلن يجوز أن يخفى على أولئك وأن يجهلوه ويعرفه من جاء الآن وهو بالجهل حقيق.
وإذا كان كذلك علم أن الذي أجاب به العلماء عن هذا السؤال شديد ، وهو أنهم قالوا : إن البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعرا ، وأقل الشعر بيتان فصاعدا. وإلى ذلك ذهب أكثر أهل صناعة العربية من أهل الإسلام. وقالوا أيضا : إن ما كان وزن بيتين ، إلا أنه يختلف رويهما وقافيتهما ، فليس بشعر. ثم منهم من قال : إن الرجز ليس بشعر أصلا ، لا سيما إذا كان مشطورا ، أو منهوكا. وكذلك ما كان يقارنه في قلة الأجزاء. وعلى هذا يسقط السؤال.
ثم يقولون : إن الشعر إنما يطلق متى قصد القاصد إليه على الطريق الذي يتعمد ويسلك ، ولا يصح أن يتفق مثله إلا من الشعراء ، دون ما يستوي فيه العاميّ والجاهل ، والعالم بالشعر واللسان وتصرفه. وما يتفق من كل واحد ، فليس يكتسب اسم الشعر ، ولا صاحبه اسم شاعر ، لأنه لو صح أن يسمى كل من اعترض في كلامه ألفاظ تتزن بوزن الشعر ، أو تنتظم انتظام بعض الأعاريض ، كان الناس كلهم شعراء. لأن كل متكلم لا ينفك من أن يعرض في جملة كلام كثير يقوله ما قد يتزن بوزن الشعر ، وينتظم انتظامه ، ألا ترى أن العامي قد يقول لصاحبه : أغلق الباب وائتني بالطعام ، ويقول الرجل لأصحابه : أكرموا من لقيتم من تميم. ومتى تتبع الإنسان هذا ، عرف أنه يكثر في تضاعيف الكلام مثله ، وأكثر منه.
وهذا القدر الذي يصح فيه التوارد ليس يعده أهل الصناعة سرقة ، إذ لم تعلم فيه حقيقة
__________________
(١) آية (١ : ٣) سورة الذاريات.
