سواها من ألفاظ الشرب ، ولو فعل ذلك كان أملح. وقوله شارب القوم فيه ضرب من التكلف الذي لا بد له منه ، أو من مثله ، لإقامة الوزن.
ثم قوله : «خلته يقبل في داج من الليل كوكبا» تشبيه بحالة واحدة من أحواله ، وهي أن يشرب حيث لا ضوء هناك ، وإنما يتناوله ليلا فليس بتشبيه مستوفي على ما فيه من الوقوع والملاحة. وقد قال ابن الرومي (١) ما هو أوقع منه وأملح وأبدع :
|
ومهفهف تمّت محاسنه |
|
حتى تجاوز منية النّفس |
|
تصبو الكئوس إلى مراشفه |
|
ونحن في يده إلى الحبس |
|
أبصرته والكأس بين فم |
|
منه وبين أنامل خمس |
|
وكأنها وكأن شاربها |
|
قمر يقبّل عارض الشمس |
ولا شك في أن تشبيه ابن الرومي أحسن وأعجب ، إلا أنه تمكن من إيراده في بيتين وهما مع سبقهما إلى المعنى أتيا به في بيت واحد.
وإنما أردت بهذا أن أعرفك أن هذه أمور متقاربة ، يقع فيها التنافس والتعارض والأطماع ، متعلقة بها ، والهمم تسمو إليها. وهي ألف طباعنا ، وطوع مداركنا ، ومجانس لكلامنا.
وإعجاب قوم بنحو هذا وما يجري مجراها ، وإيثار أقوام لشعر البحتري على أبي تمام ، وعبد الصمد ، وابن الرومي ، وتقديم قوم كل هؤلاء أو بعضهم عليه ، وذهاب قوم عند التفرقة ليس بأمر يضرّ بنا ، ولا سبب يعترض على أفهامنا.
ونحن نعمد إلى بعض قصائد البحتري فنتكلم عليها كما تكلمنا على قصيدة امرئ القيس ، ليزداد الناظر في كتابنا بصيرة ، ويستخلص من سر المعرفة سريرة ، ويعلم كيف تكون الموازنة ، وكيف تقع المشابهة والمقاربة ، ونجعل تلك القصيدة التي نذكرها أجود شعره.
سمعت الصّاحب إسماعيل بن عباد يقول : سمعت أبا الفضل بن العميد يقول : سمعت أبا مسلم الرّستمي يقول : سمعت البحتري يذكر أن أجود شعر قاله :
«أهلا بذلكم الخيال المقبل».
قال : وسمعت أبا الفضل بن العميد يقول : أجود شعره هو قوله :
«في الشيب زجر له لو كان ينزجر».
__________________
(١) سبقت ترجمته.
