الْحِسابِ) (١).
من يقدر على تأليف هذه الكلمات الثلاث على قربها ، وعلى خفتها في النظم وموقعها من القلب؟
ثم تأمل قوله : (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ، ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ. يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ. وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (٢).
كل كلمة من ذلك ما قد وصفتها من أنه إذا رآها الإنسان في رسالة كانت عينها ، أو في خطبة كانت وجهها ، أو قصيدة كانت غرة غرتها ، وبيت قصيدتها ، كالياقوتة التي تكون فريدة العقد ، وعين القلادة ودرة الشذر. إذا وقع بين كلام وشّحه ، وإذا ضمّن في نظام زيّنه ، وإذا اعترض في خطاب تميز عنه ، وبان بحسنه منه.
ولست أقول هذا لك في آية دون آية ، وسورة دون سورة ، وفصل دون فصل ، وقصة دون قصة ، ومعنى دون معنى ؛ لأني قد شرحت لك أن الكلام في حكاية القصص والأخبار ، وفي الشرائع والأحكام ، وفي الديانة والتوحيد ، وفي الحجج والتثبيت ، هو خلاف الكلام فيما عدا هذه الأمور.
ألا ترى أن الشاعر المفلق إذا جاء إلى الزهد قصّر. والأديب إذا تكلم في بيان الأحكام وذكر الحلال والحرام لم يكن كلامه على حسب كلامه في غيره ..؟ ونظم القرآن لا يتفاوت في شيء ، ولا يتباين في أمر ، ولا يختل في حال. بل له المثل الأعلى ، والفضل الأسنى. وفيما شرحناه لك كفاية وفيما بيناه بلاغ.
ونذكر في الأحكاميات وغيرها آيات أخر منها قوله : (يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) (٣).
أنت تجد في هذه الآية من الحكمة والتصرف العجيب والنظم البارع ما يدل لك إن شئت على الإعجاز مع هذا الاختيار ، والإيجاز. فكيف إذا بلغ ذلك آيات وكانت سورة شئت على الإعجاز مع هذا الاختيار ، والإيجاز. فكيف إذا بلغ ذلك آيات وكانت سورة ونحو هذه الآية قوله : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ
__________________
(١) آية (٧) سورة غافر.
(٢) آية (١٨ : ٢٠) سورة غافر.
(٣) آية (٤) سورة المائدة.
