أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) [مريم : ٥٩]» (١).
ونلاحظ على ذلك ، أن سياق الآية ـ كما ذكرناه ـ هو الحديث عن ضرورة عدم الاستغراق في هذه الشهوات واعتباره قيمة نهائية وغاية للحياة ، لأنها لا تزيد عن كونها حاجة ومتاعا لا دوام لها والالتفات إلى الحياة الآخرة باعتبارها هي الغاية ، الأمر الذي يجعل الإنسان ينظر الى متع الدنيا لا كأمر لذاته ، وانما كأمر يتوسل به معاشه وحاجاته المتنوعة ولذلك فهي ليست واردة مورد الرفض لها والصرف عنها ، بل في مورد التنبيه على ما في الآخرة من متع تتجاوز هذه المتع الفانية إلى المتع الخالدة ، ليعرف الإنسان كيف يحرك خطواته في الطريق إلى الآخرة من خلال ما يملكه في الدنيا.
إن الآية تتجه إلى بيان شهوات الدنيا التي خلقها الله في الإنسان من خلال خصوصيته الغريزية ، مقارنة بما عند الله من حيث كون ما في الدنيا فانيا محدودا في إيجابياته التي تحمل في داخلها السلبيات بطريقة وبأخرى. أمّا الآخرة ، فإن ما فيها خالد في امتداده ، إيجابي في معطياته من دون سلبيات ، الأمر الذي يريد الله فيه للإنسان أن تكون اهتماماته أخروية لا دنيوية ، ليحصل على النتيجة العليا دون النتيجة السفلى ، من دون تعرّض لمسألة الواقع السلوكي للإنسان أمام هذه الشهوات من حيث كونها خيرا أو شرّا. ومن خلال ذلك نفهم أن قوله تعالى : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ) [الأعراف : ٣٢] متفق مع مضمون الآية في نسبة الزينة إلى الله ، باعتبار أنه أخرجها لعباده ، تماما كما هو تزيين الله للناس حب الشهوات ، لأنه هو الذي أثارها في وجودهم ، مع كون السياق مختلفا من حيث انطلاقة تلك الآية لرفض فكرة حرمتها ، بينما كانت هذه الآية في سياق اعتبارها حالة طبيعية من حالات الإنسان الذي يراد له أن يحركها في اتجاه الآخرة لا أن يسقط أمامها
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ٣ ، ص : ١١٩ ـ ١٢٠.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٥ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3264_tafsir-men-wahi-alquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
