(بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً) (١٢)
____________________________________
حول المدينة من الإعراب وأهل البوادى ليخرجوا معه عند إرادته المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرا حذرا من قريش أن يتعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت وأحرم عليه الصلاة والسلام وساق معه الهدى ليعلم أنه لا يريد الحرب وتثاقلوا عن الخروج وقالوا نذهب إلى قوم قد غزوه فى عقر داره بالمدينة وقتلوا أصحابه فنقاتلهم فأوحى الله تعالى إليه عليه الصلاة والسلام بأنهم سيعتلون ويقولون (شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا) ولم يكن لنا من يخلفنا فيهم ويقوم بمصالحهم ويحميهم من الضياع وقرىء* شغلتنا بالتشديد للتكثير (فَاسْتَغْفِرْ لَنا) الله تعالى ليغفر لنا تخلفنا عنك حيث لم يكن ذلك باختيار بل عن* اضطرار (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) بدل من سيقول أو استئناف لتكذيبهم فى الاعتذار* والاستغفار (قُلْ) ردا لهم عند اعتذارهم إليك بأباطيلهم (فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً) أى فمن يقدر* لأجلكم من مشيئة الله تعالى وقضائه على شىء من النفع (إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا) أى ما يضركم من هلاك* الأهل والمال وضياعهما حتى تتخلفوا عن الخروج لحفظهما ودفع الضرر عنهما وقرىء ضرا بالضم (أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً) أى ومن يقدر على شىء من الضرر إن أراد بكم ما ينفعكم من حفظ* أموالكم وأهليكم فأى حاجة إلى التخلف لأجل القيام بحفظهما وهذا تحقيق للحق ورد لهم بموجب ظاهر مقالتهم الكاذبة وتعميم الضر والنفع لما يتوقع على تقدير الخروج من القتل والهزيمة والظفر والغنيمة يرده قوله تعالى (بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) فإنه إضراب عما قالوا وبيان لكذبه بعد* بيان فساده على تقدير صدقه أى ليس الأمر كما تقولون بل كان الله خبيرا بجميع ما تعملون من الأعمال التى من جملتها تخلفكم وما هو من مباديه وقوله تعالى (بَلْ ظَنَنْتُمْ) الخ بدل من كان الله الخ مفسر لما فيه من الإبهام أى بل ظننتم (أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً) بأن يستأصلهم المشركون* بالمرة فخشيتم إن كنتم معهم أن يصيبكم ما أصابهم فلأجل ذلك تخلفتم لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة والأهلون جمع أهل وقد يجمع على أهلات كأرضات على تقدير تاء التأنيث وأما الأهالى فاسم جمع كالليالى وقرىء إلى أهلهم (وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ) وقبلتموه واشتغلتم بشأن أنفسكم غير مبالين بهم وقرىء* زين على البناء للفاعل بإسناده إلى الله سبحانه أو إلى الشيطان (وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ) المراد به إما الظن* الأول والتكرير لتشديد التوبيخ والتسجيل عليه بالسوء أو ما يعمه وغيره من الظنون الفاسدة التى من جملتها الظن بعدم صحة رسالته عليه الصلاة والسلام فإن الجازم بصحتها لا يحوم حول فكره ما ذكر من الاستئصال (وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً) أى هالكين عند الله مستوجبين لسخطه وعقابه على أنه جمع بائر كعائذ وعوذ أو فاسدين فى أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم وقيل البور من بار كالهلك من هلك بناء ومعنى ولذلك وصف به الواحد والجمع والمذكر والمؤنث.
![تفسير أبي السّعود [ ج ٨ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3256_tafseer-abi-alsaud-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
