(وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ) (٢٢)
____________________________________
لأجلكم (مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً) فإن خلق أصل أزواجكم حواء من ضلع آدم عليهالسلام متضمن لخلقهن* من أنفسكم على ما عرفته من التحقيق أو من جنسكم لا من جنس آخر وهو الأوفق لقوله تعالى (لِتَسْكُنُوا إِلَيْها) أى لتألفوها وتميلوا إليها وتطمئنوا بها فإن المجانسة من دواعى التضام والتعارف كما أن المخالفة من* أسباب التفرق والتنافر (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ) أى بين الأزواج إما على تغليب الرجال على النساء فى الخطاب أو على حذف ظرف معطوف على الظرف المذكور أى جعل بينكم وبينهن كما مر فى قوله تعالى (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) وقيل أو بين أفراد الجنس أى بين الرجال والنساء ويأباه قوله تعالى (مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) فإن المراد بهما ما كان منهما بعصمة الزواج قطعا أى جعل بينكم بالزواج الذى شرعه لكم توادا وتراحما من غير أن يكون بينكم سابقة معرفة ولا رابطة مصححة للتعاطف من قرابة أو رحم قيل المودة والرحمة من قبل الله تعالى والفرك من الشيطان وعن الحسن رحمهالله المودة كناية عن الجماع والرحمة عن الولد كما قال* تعالى ورحمة منا (إِنَّ فِي ذلِكَ) أى فيما ذكر من خلقهم من تراب وخلق أزواجهم من أنفسهم وإلقاء المودة والرحمة بينهم وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإشعار ببعد منزلته (لَآياتٍ) عظيمة* لا يكتنه كنهها كثيرة لا يقادر قدرها (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فى تضاعيف تلك الأفاعيل المتينة المبنية على الحكم البالغة والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله مع التنبيه على أن ما ذكر ليس بآية فذة كما ينبىء عنه قوله تعالى (وَمِنْ آياتِهِ) بل هى مشتملة على آيات شتى (وَمِنْ آياتِهِ) الدالة على ما ذكر من أمر البعث وما يتلوه من الجزاء (خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) إما من حيث إن القادر على خلقهما بما فيهما من المخلوقات بلا مادة مستعدة لها أظهر قدرة على إعادة ما كان حيا قبل ذلك وإما من حيث إن خلقهما وما فيهما ليس إلا لمعاش البشر ومعاده كما يفصح عنه قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) وقوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ) أى لغاتكم بأن علم كل صنف لغته وألهمه وضعها وأقدره عليها أو أجناس نطقكم وأشكاله فإنك لا تكاد تسمع منطقين متساويين فى* الكيفية من كل وجه (وَأَلْوانِكُمْ) ببياض الجلد وسواده وتوسطه فيما بينهما أو تخطيطات الأعضاء وهيآتها وألوانها وحلاها بحيث وقع بها التمايز بين الأشخاص حتى أن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما والأمور المتلاقية لهما فى التخليق يختلفان فى شىء من ذلك لا محالة وإن كانا فى غاية التشابه وإنما نظم هذا فى سلك الآيات الآفافية من خلق السموات والأرض مع كونه من الآيات الأنفسية الحقيقة بالانتظام فى سلك ما سبق من خلق أنفسهم وأزواجهم للإيذان باستقلاله والاحتراز عن توهم كونه من* تتمات خلقهم (إِنَّ فِي ذلِكَ) أى فيما ذكر من خلق السموات والأرض واختلاف الألسنة والألوان (لَآياتٍ) عظيمة فى أنفسها كثيرة فى عددها (لِلْعالِمِينَ) أى المتصفين بالعلم كما فى قوله تعالى (وَما يَعْقِلُها
![تفسير أبي السّعود [ ج ٧ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3247_tafseer-abi-alsaud-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
