(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ) (٩)
____________________________________
ثان لأن أو حال من ضمير الساعة فى الخبر ومعنى نفى الريب عنها أنها فى ظهور أمرها ووضوح دلائلها التكوينية والتنزيلية بحيث ليس فيها مظنة أن يرتاب فى إتيانها حسبما مر فى مطلع سورة البقرة والجملة* عطف على المجرور بالباء كما قبلها من الجملتين داخلة مثلهما فى حين السببية وكذا قوله عزوجل (وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) لكن لا من حيث إن إتيان الساعة وبعث الموتى مؤثران فيما ذكر من أفاعيله تعالى تأثير القدرة فيها بل من حيث إن كلامنهما سبب داع له عزوجل بموجب رأفته بالعباد المبنية على الجكم البالغة إلى ما ذكر من خلقهم ومن إحياء الأرض الميتة على نمط بديع صالح للاستشهاد به على مكانهما ليتأملوا فى ذلك ويستدلوا به على وقوعهما لا محالة ويصدقوا بما ينطق بهما من الوحى المبين وينالوا به السعادة الأبدية ولو لا ذلك لما فعل تعالى ما فعل بل لما خلق العالم رأسا وهذا كما ترى من أحكام حقيته تعالى فى أفعاله وابتنائها على الحكم الباهرة كما أن ما قبله من أحكام حقيته تعالى فى صفاته وكونها فى غاية الكمال وقد جعل إتيان الساعة وبعث من فى القبور لكونهما من روادف الحكمة كناية عن كونه تعالى حكيما كأنه قيل ذلك بسبب أنه تعالى قادر على إحياء الموتى وعلى كل مقدور وأنه حكيم لا يخلف ميعاده وقد وعد بالساعة والبعث فلا بد أن يفى بما وعد وأنت خبير بأن مآله الاستدلال بحكمته تعالى على إتيان الساعة والبعث وليس الكلام فى ذلك بل إنما هو فى سببيتها لما مر من خلق الإنسان وإحياء الأرض فتأمل وكن على الحق المبين وقيل قوله تعالى (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ) ليس معطوفا على المجرور بالياء ولا داخلا فى حين السببية بل هو خبر والمبتدأ محذوف لفهم المعنى والتقدير والأمر أن الساعة آتية وأن الثانية معطوفة على الأولى وقيل المعنى ذلك لتعلموا بأن الله هو الحق الآيتين (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ) هو أبو جهل بن هشام حسبما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما وقيل هو من يتصدى لإضلال الناس وإغوائهم كائنا من كان كما أن الأول من يقلدهم على أن الشيطان عبارة عن المضل المغوى على الإطلاق (بِغَيْرِ عِلْمٍ) متعلق بمحذوف وقع حالا من ضمير يجادل أى كائنا بغير علم والمراد بالعلم العلم الضرورى كما أن المراد بالهدى فى قوله تعالى (وَلا هُدىً) هو الاستدلال والنظر الصحيح الهادى إلى المعرفة (وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ) وحى مظهر للحق أى يجادل فى شأنه تعالى من غير تمسك بمقدمة ضرورية ولا بحجة نظرية ولا ببرهان سمعى كما فى قوله تعالى (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً) وما ليس لهم به علم وأما ما قيل من أن المراد به المجادل الأول والتكرير للتأكيد والتمهيد لما بعده من بيان أنه لا سند له من استدلال أو وحى فلا يساعده النظم الكريم كيف لا وأن وصفه باتباع كل شيطان موصوف بما ذكر يغنى عن وصفه بالعراء عن الدليل العقلى والسمعى (ثانِيَ عِطْفِهِ) حال أخرى من فاعل يجادل أى عاطفا لجانبه وطاويا كشحه معرضا متكبرا فإن ثنى العطف كناية عن
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
