(ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (٧)
____________________________________
وقرىء يتوفى مبنيا للفاعل أى يتوفاه الله تعالى (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) وهو الهرم والخوف وقرىء* بسكون الميم وإيراد الرد والتوفى على صيغة المبنى للمفعول للجرى على سنن الكبرياء لتعيين الفاعل (لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ) أى علم كثير (شَيْئاً) أى شيئا من الأشياء أو شيئا من العلم مبالغة فى انتفاص علمه واتتكاس حاله أى ليعود إلى ما كان عليه فى أوان الطفولية من ضعف البنية وسخافة العقل وقلة الفهم فينسى ما علمه وينكر ما عرفه ويعجز عما فدر عليه وفيه من التنبيه على صحة البعث مالا يخفى (وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً) حجة أخرى على* صحة البعث والخطاب لكل أحد ممن يتأتى منه الرؤية وصيغة المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار وهى بصرية وهامدة حال من الأرض أى ميتة يابسة من همدت النار إذا صارت رمادا (فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ) أى* المطر (اهْتَزَّتْ) تحركت بالنبات (وَرَبَتْ) انتفخت وازدادت وقرىء ربأت أى ارتفعت (وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ) أى صنف (بَهِيجٍ) حسن رائق يسر ناظره (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ) كلام مستأنف جىء به إثر تحقيق حقية البعث وإقامة البرهان عليه من العالمين الإنسانى والنباتى لبيان أن ذلك من آثار ألوهيته تعالى وأحكام شئونه الذاتية والوصفية والفعلية وأن ما ينكرون وجوده بل إمكانه من إتيان الساعة والبعث من أسباب تلك الآثار العجيبة التى يشاهدونها فى الأنفس والآفاق ومبادى صدورها عنه تعالى وفيه من الإيذن بقوة الدليل وأصلة المدلول فى التحقيق وإظهار بطلان إنكاره مالا يخفى فإن إنكار تحقق السبب مع الجزم بتحقيق المسبب مما يقضى ببطلانه بديهة العقول والمراد بالحق هو الثابت الذى يحق ثبوته لا محالة لكونه لذاته لا الثابت مطلقا وذلك إشارة إلى ما ذكر من خلق الإنسان على أطوار مختلفة وتصريفه فى أحوال متباينة وإحياء الأرض بعد موتها وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته فى الكمال وهو مبتدأ خبره الجار والمجرور أى ذلك الصنع البديع حاصل بسبب أنه تعالى هو الحق وحده فى ذاته وصفاته وأفعاله المحقق لما سواه من الأشياء (وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى) أى شأنه وعادته إحياؤها وحاصله أنه تعالى قادر على إحيائها* بدءا وإعادة وإلا لما أحيا النطفة والأرض الميتة مرارا بعد مرار وما تفيده صيغة المضارع من التجدد إنما هو باعتبار تعلق القدرة ومتعلقها لا باعتبار نفسها (وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أى مبالغ فى القدرة وإلا لما* أوجد هذه الموجودات الفائتة للحصر التى من جملتها ما ذكر وأما الاستدلال على ذلك بأن قدرته تعالى لذاته الذى نسبته إلى الكل سواء فلما دلت المشاهدة على قدرته على إحياء بعض الأموات لزم اقتداره على إحياء كلها فمشأه الغفول عما سيق له النظم الكريم من بيان كون الآثار الخاصة المذكورة من فروع القدرة العامة التامة ومسبباتها وتخصيص إحياء الموتى بالذكر مع كونه من جملة الأشياء المقدور عليها للتصريح بما فيه النزاع والدفع فى نحور المنكرين وتقديمه لإبراز الاعتناء به (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ) أى فيما سيأتى وإيثار صيغة الفاعل على الفعل للدلالة على تحقيق إتيانها وتقرره البتة لاقتضاء الحكمة إياه لا محالة وتعليله بأن التغير من مقدمات الانصرام وطلائعه مبنى على ما ذكر من الغفول وقوله تعالى (لا رَيْبَ فِيها) إما خبر*
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
