(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) (٢٢)
____________________________________
(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ) أى زمانا غير مديد وقرىء بضم الكاف وذكر أنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان عليهالسلام فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عنه فلم يجد عنده علمه ثم قال لسيد الطير وهو العقاب على به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته فناشدها الله وقال بحق الله الذى قواك وأقدرك على إلا رحمتنى فتركته وقالت ثكلتك أمك إن نبى الله قد حلف ليعذبنك قال وما استثنى قالت بلى قال أو ليأتينى بعذر مبين فلما قرب من سليمان عليهالسلام أرخى ذنبه وجناحيه يجرها على الأرض تواضعا له فلما دنا منه أخذ عليهالسلام برأسه فمده إليه فقال يا نبى الله اذكر وقوفك بين* يدى الله تعالى فارتعد سليمان عليهالسلام وعفا عنه ثم سأله (فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ) أى علما ومعرفة وحفظته من جميع جهاته وقرىء أحطت بادغام الطاء فى التاء بإطباق وبغير إطباق ولاخفاء فى أنه لم يرد بما ادعى الإحاطة به ما هو من حقائق العلوم ودقائق المعارف التى تكون معرفتها والإحاطة بها من وظائف أرباب العلم والحكمة لتوقفها على علم رصين وفضل مبين حتى يكون إثباتها لنفسه بين يدى نبى الله سليمان عليهالسلام تعديا عن طوره وتجاوزا عن دائرة قدره ونفيها عنه عليه الصلاة والسلام جناية على جناية فيحتاج إلى الاعتذار عنه بأن ذلك كان منه بطريق الإلهام فكافحه عليه الصلاة والسلام بذلك مع ما أوتى عليه الصلاة والسلام من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمة والإحاطة بالمعلومات الكثيرة ابتلاء له عليه الصلاة والسلام فى علمه وتنبيها على أن فى أدنى خلقه تعالى وأضعفهم من أحاط علما بما لم يحط به لتتحاقر إليه نفسه ويتصاغر إليه علمه ويكون لطفا له فى ترك الإعجاب الذى هو فتنة العلماء بل أراد به ما هو من الأمور المحسوسة التى لا تعد الإحاطة بها فضيلة ولا الغفلة عنها نقيصة لعدم توقف إدراكها إلا على مجرد إحساس يستوى فيه العقلاء وغيرهم وقد علم أنه عليه الصلاة والسلام لم يشاهده ولم يسمع خبره من غيره قطعا فعبر عنه بما ذكر لترويج كلامه عنده عليه الصلاة والسلام وترغيبه فى الإصغاء إلى اعتداره واستمالة قلبه نحو قبوله فإن النفس للاعتذار المنبىء عن أمر بديع أقبل وإلى تلقى مالا تعلمه أميل* ثم أيده بقوله (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) حيث فسر إبهامه نوع تفسير وأراد عليه الصلاة والسلام أنه كان بصدد إقامة خدمة مهمة له حيث عبر عما جاء به بالنبأ الذى هو الخبر الخطير والشأن الكبير ووصفه بما وصفه وإلا فماذا صدر عنه عليه الصلاة والسلام مع ما حكى عنه ما حكى من الحمد والشكر واستدعاء الإيزاع حتى يليق بالحكمة الإلهية تنبيهه عليه الصلاة والسلام على تركه وسبأ منصرف على أنه اسم لحى سموا باسم أبيهم الأكبر وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان قالوا اسمه عبد شمس لقب به لكونه أول من سبى وقرىء بفتح الهمزة غير منصرف على أنه اسم للقبيلة ثم سميت مدينة مأرب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث وعلى هذه القراءة يجوز أن يراد به القبيلة والمدينة وأما على القراءة الأولى فالمراد هو الحى لا غير وعدم وقوف سليمان عليهالسلام على نبئهم قبل إنباء الهدهد ليس بأمر بديع لا بد له من حكمة داعية إليه البتة وإن استحال خلو أفعاله تعالى من الحكم والمصالح لما أن المسافة بين محطه عليه الصلاة
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
