(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٠)
____________________________________
والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أى افعلوا ما فعلوا من الإعراض عن الآيات والتكذيب والاستهزاء بها ولم ينظروا (إِلَى الْأَرْضِ) أى إلى عجائبها الزاجرة عما فعلوا الداعية إلى الإقبال على ما أعرضوا عنه وإلى الإيمان به وقوله تعالى (كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) استئناف مبين لما فى الأرض* من الآيات الزاجرة عن الكفر الداعية إلى الإيمان وكم خبرية منصوبة بما بعدها على المفعولية والجمع بينها وبين كل لإفادة الإحاطة والكثرة معا ومن كل زوج أى صنف تمييز والكريم من كل شىء مرضيه ومحموده أى كثيرا من كل صنف مرضى كثير المنافع أنبتنا فيها وتخصيص إنباته بالذكر دون ما عداه من الأصناف لاختصاصه بالدلالة على القدرة والنعمة معا ويحتمل أن يراد به جميع أصناف النبات نافعها وضارها ويكون وصف الكل بالكرم للتنبيه على أنه تعالى ما أنبت شيئا إلا وفيه فائدة كما نطق به قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) فإن الحكيم لا يكاد يفعل فعلا إلا وفيه حكمة بالغة وإن غفل عنها الغافلون ولم يتوصل إلى معرفة كنهها العاقلون (إِنَّ فِي ذلِكَ) إشارة إلى مصدر أنبتنا أو إلى كل واحد من تلك الأزواج وأياما كان فما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته فى الفضل (لَآيَةً) أى آية عظيمة دالة على كمال قدرة منبتها وغاية وفور علمه وحكمته ونهاية سعة رحمته موجبة للإيمان وازعة عن الكفر (وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ) أى أكثر قومه صلىاللهعليهوسلم (مُؤْمِنِينَ) قيل أى فى علم الله تعالى وقضائه حيث علم أزلا أنهم* سيصرفون فيما لا يزال اختيارهم الذى عليه يدور أمر التكليف إلى جانب الشر ولا يتدبرون فى هذه الآيات العظام وقال سيبويه كان صلة والمعنى وما أكثرهم مؤمنين وهو الأنسب بمقام بيان عتوهم وغلوهم فى المكابرة والعناد مع تعاضد موجبات الإيمان من جهته تعالى وأما نسبة كفرهم إلى علمه تعالى وقضائه فربما يتوهم منها كونهم معذورين فيه بحسب الظاهر لأن ما أشير إليه من التحقيق مما خفى على مهرة العلماء المتقنين كأنه قيل إن فى ذلك لآية باهرة موجبة للإيمان وما أكثرهم مؤمنين مع ذلك لغاية تماديهم فى الكفر والضلالة وانهماكهم فى الغى والجهالة ونسبة عدم الإيمان إلى أكثرهم لأن منهم من سيؤمن (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) الغالب على كل ما يريده من الأمور التى من جملتها الانتقام من هؤلاء (الرَّحِيمُ) المبالغ فى الرحمة ولذلك يمهلهم ولا يؤاخذهم بغتة بما اجترءوا عليه من العظائم الموجبة لفنون العقوبات وفى التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلىاللهعليهوسلم من تشريفه والعدة الخفية بالانتقام من الكفرة ما لا يخفى (وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى) كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله من إعراضهم عن كل ما يأتيهم من الآيات التنزيلية وتكذيبهم بها إثر بيان إعراضهم عما يشاهدونه من الآيات التكوينية وإذ منصوب
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
