(وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) (٧)
____________________________________
* والتشويق إلى المؤخر (فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) أى منقادين وأصله فظلوا لها خاضعين فأقحمت الأعناق لزيادة التقرير ببيان موضع الخضوع وترك الخبر على حاله وقيل لما وصفت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم فى الصيغة أيضا كما فى قوله تعالى (رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) وقيل أريد بها الرؤساء والجماعات من قولهم جاءنا عنق من الناس أى فوج منهم وقرىء خاضعة وقوله تعالى (فَظَلَّتْ) عطف على (نُنَزِّلْ) باعتبار محله وقوله تعالى (وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) بيان لشدة شكيمتهم وعدم إرعوائهم عما كانوا عليه من الكفر والتكذيب بغير ما ذكر من الآية الملجئة لصرف رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن الحرص على إسلامهم وقطع رجائه عنه ومن الأولى مزيدة لتأكيد العموم والثانية لابتداء الغاية مجازا متعلقة بيأتيهم أو بمحذوف هو صفة لذكر وأياما كان ففيه دلالة على فضله وشرفه وشناعة ما فعلوا به والتعرض لعنوان الرحمة لتغليظ شناعتهم وتهويل جنايتهم فإن الإعراض عما يأتيهم من جنابه عزوجل على الإطلاق شنيع قبيح وعما يأتيهم بموجب رحمته تعالى لمحض منفعتهم أشنع وأقبح أى ما يأتيهم من موعظة من المواعظ القرآنية أو من طائفة نازلة من القرآن تذكرهم أكمل تذكير وتنبههم عن الغفلة أتم تنبيه كأنها نفس الذكر من جهته تعالى بمقتضى رحمته الواسعة مجدد تنزيله حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة إلا جددوا إعراضا عنه على وجه التكذيب والاستهزاء وإصرارا على ما كانوا عليه من الكفر والضلال والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال محله النصب على الحالية من مفعول يأتيهم بإضمار قد أو بدونه على الخلاف المشهور أى ما يأتيهم من ذكر فى حال من الأحوال إلا حال كونهم معرضين عنه (فَقَدْ كَذَّبُوا) أى كذبوا بالذكر الذى يأتيهم تكذيبا صريحا مقارنا للاستهزاء به ولم يكتفوا بالإعراض عنه حيث جعلوه تارة سحرا وأخرى أساطير وأخرى شعرا والفاء فى قوله تعالى (فَسَيَأْتِيهِمْ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها والسين لتأكيد مضمون الجملة وتقريره أى فسيأتيهم البتة من* غير تخلف أصلا (أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) عدل عما يقتضيه سائر ما سلف من الإعراض والتكذيب للإيذان بأنهما كانا مقارنين للاستهزاء كما أشير إليه حسبما وقع فى قوله تعالى (وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) وأنباؤه ما سيحيق بهم من العقوبات العاجلة والآجلة عبر عنها بذلك إما لكونها مما أنبأ بها القرآن الكريم وإما لأنهم بمشاهدتها يقفون على حقيقة حال القرآن كما يقفون على الأحوال الخافية عنهم باستماع الأنباء وفيه تهويل له لأن النبأ لا يطلق إلا على خبر خطير له وقع عظيم أى فسيأتيهم لا محالة مصداق ما كانوا يستهزءون به قبل من غير أن يتدبروا فى أحواله ويقفوا عليها (أَوَلَمْ يَرَوْا) الهمزة للإنكار التوبيخى
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
