(أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً) (٤٥)
____________________________________
(أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ) بيان لبعض دلائل التوحيد إثر بيان جهالة المعرضين عنها وضلالتهم والخطاب لرسول الله صلىاللهعليهوسلم والهمزة للتقرير والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلىاللهعليهوسلم لتشريفه صلىاللهعليهوسلم وللإيذان* بأن ما يعقبه من آثار ربوبيته ورحمته تعالى أى ألم تنظر إلى بديع صنعه تعالى (كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) أى كيف أنشأ ظل أى مظل كان من جبل أو بناء أو شجر عند ابتداء طلوع الشمس ممتدا لا أنه تعالى مده بعد أن لم يكن كذلك كما بعد نصف النهار إلى غروبها فإن ذلك مع خلوه عن التصريح بكون نفسه بانشائه تعالى وإحداثه يأباه سياق النظم الكريم وأما ما قيل من أن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وأنه أطيب الأوقات فإن الظلمة الخالصة تنفر عنها الطباع وشعاع الشمس يسخن الجو ويبهر البصر ولذلك وصف به الجنة فى قوله تعالى (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) فغير سديد إذ لا ريب فى أن المراد تنبيه الناس على عظيم قدرة الله عزوجل وبالغ حكمته فيما يشاهدونه فلا بد أن يراد بالظل ما يتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها فى موضع يحول بينه وبين الشمس جسم كثيف مخالفة لما فى جوانبه من مواقع ضح الشمس وما ذكر وإن كان فى الحقيقة ظلا للأفق الشرقى لكنهم لا يعدونه ظلا ولا يصفونه بأوصافه المعهودة ولعل توجيه الرؤية إليه سبحانه وتعالى مع أن المراد تقرير رؤيته صلىاللهعليهوسلم لكيفية مد الظل للتنبيه على أن نظره صلىاللهعليهوسلم غير مقصور على ما يطالعه من الآثار والصنائع بل مطمح أنظاره معرفة شئون الصانع المجيد* وقوله تعالى (وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً) جملة اعترضت بين المعطوفين للتنبيه من أول الأمر على أنه لا مدخل فيما ذكر من المد للأسباب العادية وإنما المؤثر فيه المشيئة والقدرة ومفعول المشيئة محذوف على القاعدة المستمرة من وقوعها شرطا وكون مفعولها مضمون الجزاء أى ولو شاء سكونه لجعله ساكنا أى ثابتا على حاله من الطول والامتداد وإنما عبر عن ذلك بالسكون لما أن مقابله الذى هو تغير حاله حسب تغير الأوضاع بين المظل وبين الشمس يرى رأى العين حركة وانتقالا وحاصله أنه لا يعتريه اختلاف حال بأن لا تنسخه الشمس وأما التعليل بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد فمداره الغفول عما سيق له النظم الكريم ونطق به صريحا من بيان كمال قدرته القاهرة وحكمته الباهرة بنسبة جميع الأمور الحادثة إليه تعالى بالذات وإسقاط الأسباب العادية عن رتبة السببية والتأثير بالكلية وقصرها على مجرد الدلالة على وجود المسببات لا بذكر قدرته تعالى على بعض الخوارق كإقامة الشمس فى مقام واحد على أنها أعظم من إبقاء الظل على حاله فى الدلالة على ما ذكر من كمال القدرة والحكمة لكونه من فروعها* ومستتبعاتها فهى أولى وأحق بالإيراد فى معرض البيان وقوله تعالى (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً) عطف على مد داخل فى حكمه أى جعلناها علامة يستدل بأحوالها المتغيرة على أحواله من غير أن يكون بينهما سببية وتأثير قطعا حسبما نطق به الشرطية المعترضة والالتفات إلى نون العظمة لما فى الجعل المذكور العارى عن التأثير مع ما يشاهد بين الشمس والظل من الدوران المطرد المنبىء عن السببية من مزيد دلالة على عظم القدرة ودقة الحكمة وهو السر فى إيراد كلمة التراخى وقوله تعالى :
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
