(ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً) (٤٨)
____________________________________
(ثُمَّ قَبَضْناهُ) عطف على مد داخل فى حكمه وثم للتراخى الزمانى لما أن فى بيان كون القبض والمدمر تبين دائرين على قطب مصالح المخلوقات مزيد دلالة على الحكمة الربانية ويجوز أن تكون للتراخى الرتبى أى أزلناه بعد ما أنشأناه ممتدا ومحوناه بمحض قدرتنا ومشيئتنا عند إيقاع شعاع الشمس موقعه من غير أن يكون له تأثير فى ذلك أصلا وإنما عبر عنه بالقبض المنبىء عن جمع المنبسط وطيه لما أنه قد عبر عن إحداثه بالمد الذى هو البسط طولا وقوله تعالى (إِلَيْنا) للتنصيص على كون مرجعه إليه تعالى كما أن* حدوثه منه عزوجل (قَبْضاً يَسِيراً) أى على مهل قليلا قليلا حسب ارتفاع دليله على وتيرة معينة مطردة* مستتبعة لمصالح المخلوقات ومرافقها وقبل إن الله تعالى حين بنى السماء كالقبة المضروبة ودحا الأرض تحتها ألقت القبة ظلها على الأرض لعدم النير وذلك مده تعالى إياه ولو شاء لجعله ساكنا مستقرا على تلك الحالة ثم خلق الشمس وجعلها على ذلك الظل أى سلطها عليه ونصبها دليلا متبوعا له كما يتبع الدليل فى الطريق فهو يزيد بها وينقص ويمتد ويقلص ثم نسخه بها فقبضه قبضا سهلا يسيرا غير عسيرا وقبضا سهلا عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهى الأجرام التى تلقى الظل فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه كما ذكر إنشاؤه بإنشائها ووصفه باليسر على طريقة قوله تعالى (ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ) وصيغة الماضى للدلالة على تحقق الوقوع (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً) بيان لبعض بدائع آثار قدرته تعالى وحكمته وروائع أحكام رحمته ونعمته الفائضة على الخلق وتلوين الخطاب لتوفية مقام الامتنان حقه واللام متعلقة بجعل وتقديمها على مفعوليه للاعتناء ببيان كون ما يعقبه من منافعهم وفى تعقيب بيان أحوال الظل ببيان أحكام الليل الذى هو ظل الأرض من لطف المسلك مالا مزيد عليه أى هو الذى جعل لكم الليل كاللباس يستركم بظلامه كما يستركم اللباس (وَالنَّوْمَ سُباتاً) أى وجعل النوم الذى يقع فى الليل غالبا قطعا عن* الأفاعيل المختصة بحال اليقظة عبر عنه بالسبات الذى هو الموت لما بينها من المشابهة التامة فى انقطاع أحكام الحياة وعليه قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) وقوله تعالى (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها (وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً) أى زمان بعث من ذلك السبات كبعث الموتى على حذف المضاف* وإقامة المضاف إليه مقامه أو نفس البعث على طريق المبالغة وفيه إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذج للموت والنشور وعن لقمان عليهالسلام يا بنى كما تنام فتوقظ كذلك تموت وتنشر (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ) وقرىء بالتوحيد على أن المراد هو الجنس (بُشْراً) تخفيف بشر جمع بشور أى مبشرين وقرىء بشرى* وقرىء نشرا بالنون جمع نشور أى ناشرات للسحاب وقرىء بالتخفيف وبفتح النون أيضا على أنه مصدر
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
