(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) (٤٤)
____________________________________
والأفعال وبيان مالهم من المصير والمآل وتنبيه على أن ذلك من الغرابة بحيث يجب أن يرى ويتعجب منه وإلهه مفعول ثان لاتخذ قدم على الأول للاعتناء به لأنه الذى يدور عليه أمر التعجيب ومن توهم أنهما على الترتيب بناء على تساويهما فى التعريف فقد زل منه أن المفعول الثانى فى هذا الباب هو المتلبس بالحالة الحادثة أى أرأيت من جعل هواه إلها لنفسه من غير أن يلاحظه وبنى عليه أمر دينه معرضا عن استماع الحجة الباهرة والبرهان النير بالكلية على معنى انظر إليه وتعجب منه وقوله تعالى (أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً) إنكار واستبعاد لكونه صلىاللهعليهوسلم حفيظا عليه يزجره عما هو عليه من الضلال ويرشده إلى الحق طوعا أو كرها والفاء لترتيب الإنكار على ما قبله من الحالة الموجبة له كأنه قيل أبعد ما شاهدت غلوه فى طاعة الهوى وعتوه عن اتباع الهدى تقسره على الإيمان شاء أو أبى وقوله تعالى (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ) إضراب وانتقال عن الإنكار المذكور إلى إنكار حسبانه صلىاللهعليهوسلم لهم ممن يسمع أو يعقل حسبما ينبىء عنه جده صلىاللهعليهوسلم فى الدعوة واهتمامه بالإرشاد والتذكير لكن لا على أنه لا يقع كالأول بل على أنه لا ينبغى أن يقع أى بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون ما تتلو عليهم من الآيات حق السماع أو يعقلون ما فى تضاعيفها من المواعظ الزاجرة عن القبائح الداعية إلى المحاسن فتعتنى بشأنهم وتطمع فى إيمانهم وضمير أكثرهم لمن وجمعه باعتبار معناها كما أن الإفراد فى الضمائر الأول باعتبار لفظها وضمير الفعلين لأكثر لا لما أضيف هو إليه وقوله تعالى (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ) الخ جملة مستأنفة مسوقة لتقرير النكير* وتأكيده وحسم مادة الحسبان بالمرة أى ما هم فى عدم الانتفاع بما يقرع آذانهم من قوارع الآيات وانتفاء التدبر فيما يشاهدونه من الدلائل والمعجزات إلا كالبهائم التى هى مثل فى الغفلة وعلم فى الضلالة (بَلْ هُمْ أَضَلُّ) منها (سَبِيلاً) لما أنها تنقاد لصاحبها الذى يعلفها ويتعهدها وتعرف من يحسن إليها ممن يسىء إليها* وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدى لمراعيها ومشاربها وتأوى إلى معاطنها وهؤلاء لا ينقادون لربهم وخالقهم ورازقهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذى هو أعدى عدوهم ولا يطلبون الثواب الذى هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذى هو أشد المضار والمهالك ولا يهتدون للحق الذى هو المشرع الهنى والمورد العذب الروى ولأنها إن لم تعتقد حقا مستتبعا لاكتساب الخير لم تعتقد باطلا مستوجبا لاقتراف الشر بخلاف هؤلاء حيث مهدوا قواعد الباطل وفرعوا عليها أحكام الشرور ولأن أحكام جهالتها وضلالتها مقصورة على أنفسها لا تتعدى إلى أحد وجهالة هؤلاء مؤدية إلى ثوران الفتنة والفساد وصد الناس عن سنن السداد وهيجان الهرج والمرج فيما بين العباد ولأنها غير معطلة لقوة من القوى المودعة بل صارفة لها إلى ما خلقت هى له فلا تقصير من قبلها فى طلب الكمال وأما هؤلاء فهم معطلون لقواهم العقلية مضيعون للفطرة الأصلية التى فطر الناس عليها مستحقون بذلك أعظم العقاب وأشد النكال.
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
