(فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) (٣٥)
____________________________________
* أى آثر عندى لأنه مشقة قليلة نافذة أثرها راحات جليلة أبدية (مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) من مؤاتانها التى تؤدى إلى الشقاء والعذاب الأليم وهذا الكلام منه عليهالسلام مبنى على مامر من انكشاف الحقائق لديه وبروز كل منها بصورتها اللائقة بها فصيغة التفضيل ليست على بابها إذ ليس له شائبة محبة لما دعته إليه وإنما هو والسجن شران أهونهما وأقربهما إلى الإيثار السجن والتعبير عن الإيثار بالمحبة لحسم مادة طمعها عن المساعدة خوفا من الحبس والاقتصار على ذكر السجن من حيث إن الصغار من فروعه ومستتبعاته وإسناد الدعوة إليهن جميعا لأن النسوة رغبته فى مطاوعتها وخوفته من مخالفتها وقيل دعونه إلى أنفسهن وقيل إنما ابتلى عليهالسلام بالسجن لقوله هذا وكان الأولى به أن يسأل الله تعالى العافية ولذلك رد رسول* الله صلىاللهعليهوسلم على من كان يسأل الصبر (وَإِلَّا تَصْرِفْ) أى إن لم تصرف (عَنِّي كَيْدَهُنَّ) فى تحبيب ذلك إلى* وتحسينه لدى بأن تثبتنى على ما أنا عليه من العصمة والعفة (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ) أى أمل إلى إجابتهن أو إلى أنفسهن على قضية الطبيعة وحكم القوة الشهوية وهذا فزع منه عليهالسلام إلى ألطاف الله تعالى جريا على سنن الأنبياء والصالحين فى قصر نيل الخيرات والنجاة عن الشرور على جناب الله عزوجل وسلب القوى والقدر عن أنفسهم ومبالغة فى استدعاء لطفه فى صرف كيدهن بإظهار أن لا طاقة له بالمدافعة كقول المستغيث أدركنى وإلا هلكت لا أنه يطلب الإجبار والإلجاء إلى العصمة والعفة وفى نفسه داعية تدعوه إلى هواهن والصبوة الميل إلى الهوى ومنه الصبا لأن النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها وقرىء* أصب إليهن من الصبابة وهى رقة الشوق (وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ) الذين لا يعملون بما يعلمون لأن من لا جدوى لعلمه فهو والجاهل سواء أو من السفهاء بارتكاب ما يدعوننى إليه من القبائح لأن الحكيم لا يفعل القبيح (فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ) دعاءه الذى تضمنه قوله وإلا تصرف عنى كيدهن الخ فإن فيه استدعاء لصرف كيدهن على أبلغ وجه وألطفه كما مر وفى إسناد الاستجابة إلى الرب مضافا إليه عليهالسلام مالا* يخفى من إظهار اللطف (فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ) حسب دعائه وثبته على العصمة والعفة (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ) لدعاء المتضرعين إليه (الْعَلِيمُ) بأحوالهم وما يصلحهم (ثُمَّ بَدا لَهُمْ) أى ظهر للعزيز وأصحابه المتصدين* للحل والعقد ريثما اكتفوا بأمر يوسف بالكتمان والإعراض عن ذلك (مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ) الصارفة لهم عن ذلك البداء وهى الشواهد الدالة على براءته عليهالسلام وفاعل بدأ إما مصدره أو الرأى* المفهوم من السياق أو المصدر المدلول عليه بقوله (لَيَسْجُنُنَّهُ) والمعنى بذا لهم بداء أو رأى أو سجنه المحتوم قائلين والله ليسجننه فالقسم المحذوف وجوابه معمول للقول المقدر حالا من ضميرهم وما كان ذلك البداء إلا باستنزال المرأة لزوجها وقتلها منه فى الذروة والغارب وكان مطواعة لها تقوده حيث شاءت قال السدى إنها قالت للعزيز إن هذا العبد العبرانى قد فضحنى فى الناس يخبرهم بأنى راودته عن نفسه فإما أن تأذن لى
![تفسير أبي السّعود [ ج ٤ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3236_tafseer-abi-alsaud-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
