(قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ) (٣٣)
____________________________________
خبره والمعنى إن كان الأمر كما قلتن فذلكن الملك الكريم النائى من المراتب البشرية هو (الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) * أى عير تننى فى الافتتان به حيث ربأتن بمحلى بنسبتى إلى العزيز ووضعتن قدره بكونه من المماليك أو بالعنوان الذى وصفته به فيما سبق بقولهن امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعانى فهو خبر لمبتدأ محذوف أى فهو ذلك العبد الكنعانى الذى صورتن فى أنفسكن وقلتن فيه وفى ما قلتن فالآن قد علمتن من هو وما قولكن فينا وأما ما يقال تعنى أنكن لم تصورنه بحق صورته ولو صورتنه بما عاينتن لعذرتننى فى الافتتان به فلا يلائم المقام فإن مرادها بدعوتهن وتمهيد ما مهدته لهن تبكيتهن وتنديمهن على ما صدر عنهن من اللوم وقد فعلت ذلك بما لا مزيد عليه وما ذكر من المقال فحق المعتذر قبل ظهور معذرته وقد قيل فى تعليل الملكية أن الجمع بين الجمال الرائق والكمال الفائق والعصمة البالغة من الخواص الملكية وهو أيضا لا يلائم قولها فذلكن الذى لمتننى فيه فإن عنوان العصمة مما ينافى تمشية مرامها ثم بعد ما أقامت عليهن الحجة وأوضحت لديهن عذرها وقد أصابهن من قبله عليهالسلام ما أصابها باحت لهن ببقية سرها فقالت (وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ) حسبما قلتن وسمعتن* (فَاسْتَعْصَمَ) امتنع طالبا للعصمة وهو بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد كأنه فى عصمة* وهو يجتهد فى الاستزادة منها كما فى استمسك واستجمع الرأى وفيه برهان نير على أنه لم يصدر عنه عليهالسلام شىء مخل باستعصامه بقوله معاذ الله من الهم وغيره اعترفت لهن أولا بما كن يسمعنه من مراودتها له وأكدته إظهارا لا بتهاجها بذلك ثم زادت على ذلك أنه أعرض عنها على أبلغ ما يكون ولم يمل إليها قط ثم زادت عليه أيضا أنها مستمرة على ما كانت عليه غير مرعوية عنه لا بلوم العواذل ولا بإعراض الحبيب فقالت (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ) أى آمر به فيما سيأتى كما لم يفعل فيما مضى فحذف الجار* وأوصل الفعل إلى الضمير كما فى أمرتك الخير فالضمير للموصول أو أمرى إياه أى موجب أمرى ومقتضاه فما مصدرية والضمير ليوسف وعبرت عن مراودتها بالأمر إظهارا لجريان حكومتها عليه واقتضاء للامتثال بأمرها (لَيُسْجَنَنَّ) بالنون المثقلة آثرت بناء الفعل للمفعول جريا على رسم الملوك أو إيهاما* لسرعة ترتب ذلك على عدم امتثاله لأمرها كأنه لا يدخل بينهما فعل فاعل (وَلَيَكُوناً) بالمخففة (مِنَ الصَّاغِرِينَ) أى الأذلاء فى السجن وقد قرىء الفعلان بالتثقيل ولكن المشهورة أولى لأن النون كتبت فى المصحف ألفا على حكم الوقف واللام الداخلة على حرف الشرط موطئة للقسم وجوابه ساد مسد الجوابين ولقد أتت بهذا الوعيد المنطوى على فنون التأكيد بمحضر منهن ليعلم يوسف عليهالسلام أنها ليست فى أمرها على خفية ولا خيفة من أحد فتضيق عليه الحيل وتعيابه العلل وينصحن له ويرشدنه إلى موافقتها ولما كان هذا الإبراق والإرعاد منها مظنة لسؤال سائل يقول فما صنع يوسف حينئذ قيل (قالَ) مناجيا لربه عز سلطانه (رَبِّ السِّجْنُ) الذى أوعدتنى بالإلقاء فيه وقرأ يعقوب بالفتح على المصدر (أَحَبُّ إِلَيَّ) *
![تفسير أبي السّعود [ ج ٤ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3236_tafseer-abi-alsaud-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
