(وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ)(١٤)
____________________________________
الباطل منوط بالتمييز بين الحق والباطل وذلك مما لا يتسنى إلا بالنظر والاستدلال وأما النفاق وما فيه من الفتنة والإفساد وما يترتب عليه من كون من يتصف به مفسدا فأمر بديهى يقف عليه من له شعور ولذلك فصلت الآية الكريمة السابقة بلا يشعرون. (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا) بيان لتباين أحوالهم وتناقض أفوالهم في أثناء المعاملة والمخاطبة حسب تباين المخاطبين ومساق ما صدرت به قصتهم لتحرير مذهبهم والترجمة عن نفاقهم ولذلك لم يتعرض ههنا لمتعلق الإيمان فليس فيه شائبة التكرير. روى أن عبد الله بن أبى وأصحابه خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من الصحابة فقال ابن أبى انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم فلما دنوا منهم أخذ بيد أبى بكر رضى الله عنه فقال مرحبا بالصديق سيد بنى تميم وشيخ الإسلام وثانى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فى الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله ثم أخذ بيد عمر رضى الله عنه فقال مرحبا بسيد بنى عدى الفاروق القوى فى دينه الباذل نفسه وماله لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ثم أخذ بيد على كرم الله وجهه فقال مرحبا بابن عم رسول اللهصلىاللهعليهوسلم وختنه وسيد بنى هاشم ما خلا رسول الله صلىاللهعليهوسلم فنزلت وقيل قال له على رضى الله عنه يا عبد الله اتق الله ولا تنافق فإن المنافقين شر خلق الله تعالى فقال له مهلا يا أبا الحسن أفى تقول هذا والله إن إيماننا كإيمانكم وتصديقنا كتصديقكم ثم افترقوا فقال ابن أبى لأصحابه كيف رأيتمونى فعلت فإذا رأيتموهم فافعلوا مثل ما فعلت فأثنوا عليه خيرا وقالوا ما نزال بخير ما عشت فينا فرجع المسلمون إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم وأخبروه بذلك فنزلت واللقاء المصادفة يقال لقيته ولا قيته أى صادفته واستقبلته وقرىء إذا لاقوا. (وَإِذا خَلَوْا) من خلوت إلى فلان أى انفردت معه وقد يستعمل بالباء أو من خلا بمعنى مضى ومنه القرون الخالية وقولهم خلاك ذم أى جاوزك ومضى عنك وقد جوز كونه من خلوت به إذا سخرت منه على أن تعديته بإلى فى قوله تعالى. (إِلى شَياطِينِهِمْ) لتضمنه معنى الإنهاء أى وإذا أنهوا إليهم السخرية الخ وأنت خبير بأن تقييد قولهم المحكى بذلك الإنهاء مما لا وجه له والمراد بشياطينهم المماثلون منهم للشيطان فى التمرد والعناد المظهرون لكفرهم وإضافتهم إليهم للمشاركة فى الكفر أو كبار المنافقين والقائلون صغارهم وجعل سيبويه نون الشيطان تارة أصلية فوزنه فيعال على أنه من شطن إذا بعد فإنه بعيد من الخير والرحمة ويشهد له قولهم تشيطن وأخرى زائدة فوزنه فعلان على أنه من شاط أى هلك أو بطل ومن أسمائه الباطل وقيل معناه هاج واحترق (قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) أى فى الدين والاعتقاد لا نفارقكم فى حال من الأحوال وإنما خاطبوهم بالجملة الاسمية المؤكدة لأن مدعاهم عندهم تحقيق الثبات على ما كانوا عليه من الدين والتأكيد للإنباء عن صدق رغبتهم ووفور نشاطهم لا لإنكار الشياطين بخلاف معاملتهم مع المؤمنين فإنهم إنما يدعون عندهم إحداث الإيمان لجزمهم بعد رواج ادعاء الكمال فيه أو الثبات عليه. (إِنَّما نَحْنُ) أى فى إظهار الإيمان عند المؤمنين. (مُسْتَهْزِؤُنَ) بهم من غير أن يخطر ببالنا الإيمان حقيقة وهو استئناف مبنى على سؤال ناشىء من ادعاء المعية كأنه قيل لهم عند قولهم إنا معكم فما بالكم توافقون المؤمنين فى الإتيان بكلمة الإيمان فقالوا إنما نحن مستهزءون بهم فلا يقدح ذلك فى
![تفسير أبي السّعود [ ج ١ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3233_tafseer-abi-alsaud-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
