غلام يافع وغير يافع فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل ملك منهم أربعة غلمة وكان عزير من جملتهم فلما نجاه الله تعالى منهم بعد حين مر بحماره على بيت المقدس فرآه على أفظع مرأى وأوحش منظر وذلك قوله عزوجل (وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها) أى ساقطة على سقوفها بأن سقطت العروش ثم الحيطان من خوى البيت إذا سقط أو من خوت الأرض أى تهدمت والجملة حال من ضمير مر أو من قرية عند من يجوز الحال من النكرة مطلقا (قالَ) أى تلهفا عليها وتشوقا إلى عمارتها مع استشعار اليأس عنها (أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ) وهى على ما يرى من الحالة العجيبة المباينة للحياة وتقديمها على الفاعل للاعتناء بها من حيث أن الاستبعاد ناشىء من جهتها لا من جهة الفاعل وأنى نصب على الظرفية إن كانت بمعنى متى وعلى الحالية من هذه إن كانت بمعنى كيف والعامل يحيى وأيا ما كان فالمراد استبعاد عمارتها بالبناء والسكان من بقايا أهلها الذين تفرقوا أيدى سبأ ومن غيرهم وإنما عبر عنها بالإحياء الذى هو علم فى البعد عن الوقوع عادة تهويلا للخطاب وتأكيدا للاستبعاد كما أنه لأجله عبر عن خرابها بالموت حيث قيل (بَعْدَ مَوْتِها) وحيث كان هذا التعبير معربا عن استبعاد الإحياء بعد الموت على أبلغ وجه وآكده أراه الله عزوجل آثر ذى أثير أبعد الأمرين فى نفسه ثم فى غيره ثم أراه ما استبعده صريحا مبالغة فى إزاحة ما عسى يختلج فى خلده وأما حمل إحيائها على إحياء أهلها فيأباه التعرض لحال القرية دون حالهم والاقتصار على ذكر موتهم دون كونهم ترابا وعظاما مع كونه أدخل فى الاستبعاد لشدة مباينته للحياة وغاية بعده عن قبولها على أنه لم تتعلق إرادته تعالى بإحيائهم كما تعلقت بعمارتها ومعاينة المار لها كما ستحيط به خبرا (فَأَماتَهُ اللهُ) وألبثه على الموت (مِائَةَ عامٍ) روى أنه لما دخل القرية ربط حماره فطاف بها ولم يربها أحدا فقال ما قال وكانت أشجارها قد أثمرت فتناول من التين والعنب وشرب من عصيره ونام فأماته الله تعالى فى منامه وهو شاب وأمات حماره وبقية تينه وعنبه وعصيره عنده ثم أعمى الله تعالى عنه عيون المخلوقات فلم يره أحد فلما مضى من موته سبعون سنة وجه الله عز وعلا ملكا عظيما من ملوك فارس يقال له يوشك إلى بيت المقدس ليعمره ومعه ألف قهرمان مع كل قهرمان ثلثمائة ألف عامل فجعلوا يعمرونه وأهلك الله تعالى بخت نصر ببعوضة دخلت دماغه ونجى الله تعالى من بقى من بنى إسرائيل وردهم إلى بيت المقدس وتراجع إليه من تفرق منهم فى الأكناف فعمروه ثلاثين سنة وكثروا وكانوا كأحسن ما كانوا عليه فلما تمت المائة من موت عزير أحياه الله تعالى وذلك قوله تعالى (ثُمَّ بَعَثَهُ) وإيثاره على أحياه للدلالة على سرعته وسهولة تأتيه على البارىء تعالى كأنه بعثه من النوم وللإيذان بأنه أعاده كهيئته يوم موته عاقلا فاهما مستعدا للنظر والاستدلال (قالَ) استئناف مبنى على السؤال كأنه قيل فماذا قال له بعد بعثه فقيل قال (كَمْ لَبِثْتَ) ليظهر له عجزه عن الإحاطة بشئونه تعالى وأن إحياءه ليس بعد مدة يسيرة ربما يتوهم أنه هين فى الجملة بل بعد مدة طويلة وينحسم به مادة استبعاده بالمرة ويطلع فى تضاعيفه على أمر آخر من بدائع آثار قدرته تعالى وهو إبقاء الغذاء المتسارع إلى الفساد بالطبع على ما كان عليه دهرا طويلا من غير تغير ما وكم نصب على الظرفية مميزها محذوف أى كم وقتا لبثت والقائل هو الله تعالى أو ملك مأمور بذلك من قبله تعالى قيل نودى من السماء يا عزير كم لبثت بعد الموت (قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ
![تفسير أبي السّعود [ ج ١ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3233_tafseer-abi-alsaud-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
