المسألة الأولى ـ هذه الآية في مقابلة الآية المتقدمة في براءة ، وهي قوله (١) : (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) ، فكما نفى الله السبيل عمّن أحسن فكذلك أثبتها على من ظلم ، واستوفى بيان القسمين.
المسألة الثانية ـ روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك ، وسئل عن قول سعيد بن المسيب : لا أحلّل أحدا. فقال : ذلك يختلف. فقلت : يا أبا عبد الله ، الرجل يسلف الرجل فيهلك ، ولا وفاء له. قال (٢) : أرى أن يحلّله ، وهو أفضل عندي لقول الله تعالى (٣): (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) ، وليس كلما قال أحد ـ وإن كان له فضل ـ يتبع. فقيل له : الرجل يظلم الرجل! فقال : لا أرى ذلك ، وهو مخالف عندي للأول ، لقول الله تعالى : (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ) ، ويقول تعالى (٤) : (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) ، فلا أرى أن تجعله من ظلمه في حلّ.
قال ابن العربي : فصار في المسألة ثلاثة أقوال :
أحدها ـ لا يحلله بحال ، قاله سعيد بن المسيب.
والثاني ـ يحلله ، قاله محمد بن سيرين.
الثالث ـ إن كان مالا حلله ، وإن كان ظلما لم يحلله ، وهو قول مالك.
وجه الأول ألا يحلل ما حرم الله ، فيكون كالتبديل لحكم الله.
ووجه الثاني أنه حقّه ، فله أن يسقطه [كما يسقط دمه وعرضه] (٥).
ووجه الثالث الذي اختاره مالك هو أنّ الرجل إذا غلب على حقك فمن الرفق به أن تحلله ، وإن كان ظالما فمن الحق ألا تتركه لئلا يغترّ الظّلمة ، ويسترسلوا في أفعالهم القبيحة.
وفي صحيح مسلم (٦) ، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، قال : خرجت أنا وأبى نطلب العلم في هذا الحىّ من الأنصار قبل أن يهلكوا ، فكان أول من لقينا أبو اليسر (٧) صاحب
__________________
(١) سورة التوبة ، آية ٩٢.
(٢) في ش : فقال.
(٣) سورة الزمر ، آية ١٨.
(٤) سورة التوبة ، آية ٩١.
(٥) ساقط من ش.
(٦) صحيح مسلم ، صفحة ٢٣٠١.
(٧) اسمه كعب بن عمرو.
![أحكام القرآن [ ج ٤ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3221_ahkam-alquran-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
