في أصل المقدار وكتبهم بالقلم الأول في اللّوح المحفوظ فريقين : فريق للجنة ، وفريق للنار ، ومنازل الكلّ موضوعة في الجنة والنار ، فإن سبق التوفيق حصل العبد من أهل الجنة ، وكان في الجنة ، وإن سبق الخذلان على العبد الآخر فيكون من أهل النار ، فيحصل الموفق على منزل المخذول ، ويحصل للمخذول منزل الموفق في النار ، فكأنه وقع التبادل ، فحصل التغابن.
والأمثال موضوعة للبيان في حكم القرآن واللغة ، وذلك كله مجموع من نشر الآثار ، وقد جاءت متفرقة في هذا الكتاب وغيره.
المسألة الثالثة ـ استدل علماؤنا بقوله تعالى : (ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ) على أنه لا يجوز الغبن في معاملة الدنيا (١) ، لأن الله تعالى خصّص التغابن بيوم القيامة ، فقال : (ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ) ، وهذا الاختصاص يفيد أنه لا غبن في الدنيا ، فكلّ من اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود إذا زاد على الثلث ، واختاره البغداديون ، واحتجّوا عليه بوجوه منها قوله صلّى الله عليه وسلم لحبّان بن منقذ : إذا بايعت فقل لا خلابة (٢) ، ولك الخيار ثلاثا. وهذا فيه نظر طويل بيناه في مسائل الخلاف. نكتته ـ أنّ الغبن في الدنيا ممنوع بإجماع في حكم الدنيا (٣) ، إذ هو من باب الخداع المحرّم شرعا في كل ملّة ، لكنّ اليسير منه لا يمكن الاحتراز منه لأحد (٤) فمضى في البيوع (٥) ، إذ لو حكمنا بردّه ما نفذ بيع أبدا ، لأنه لا يخلو منه ، حتى إذا كان كثيرا أمكن الاحتراز منه ، فوجب الردّ به. والفرق بين القليل والكثير أصل في الشريعة معلوم ، فقدّر علماؤنا الثلث لهذا الحدّ ، إذ رأوه حدّا في الوصية وغيرها. ويكون معنى الآية على هذا : ذلك يوم التغابن الجائز مطلقا من غير تفصيل ، أو ذلك يوم التغابن الذي لا يستدرك أبدا ، لأنّ تغابن الدنيا يستدرك بوجهين : إما بردّ في بعض الأحوال على قول بعض العلماء ، وإما بربح في بيع آخر وسلعة أخرى.
__________________
(١) في ش : على المعاملة الدنياوية.
(٢) لا خلابة : لا خداع (النهاية).
(٣) في ش والقرطبي : في حكم الدين.
(٤) في ا : لأجل.
(٥) في ا : الشرع.
![أحكام القرآن [ ج ٤ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3221_ahkam-alquran-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
