وقال قتادة : هو من كلام العرب ، وبه أقول ، لكن الشرع قد قطعه في الاستعمال ، وردّ القسم إليه. وقد بيناه في [الأصول وفي] (١) مسائل الخلاف.
الآية السادسة ـ قوله تعالى (٢) : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ).
فيها مسألتان :
المسألة الأولى ـ في التوسّم. وهو تفعّل من الوسم ، وهو العلامة التي يستدلّ بها على مطلوب غيرها. قال الشاعر (٣) ـ يمدح النبي صلى الله عليه وسلم :
|
إنى توسمت فيك الخير نافلة |
|
والله يعلم أنى صادق البصر |
وهي الفراسة أيضا ، يقال : تفرّست وتوسّمت. وحقيقتها الاستدلال بالخلق على الخلق ، وذلك يكون بجودة القريحة ، وحدّة الخاطر ، وصفاء الفكر.
يحكى أنّ الشافعى ومحمد بن الحسن كانا جالسين بفناء الكعبة ، ودخل رجل على باب المسجد ، فقال أحدهما : أراه نجّارا ، وقال الآخر : بل حدّادا ، فتبادر من حضر إلى الرجل فسألوه ، فقال لهم : كنت نجارا ، وأنا الآن حدّاد ، وهذه زيادة على العادة ، فزعمت الصوفية أنها كرامة. وقال غيرهم : بل هي الاستدلال بالعلامة ، ومن العلامات ظاهر يبدو لكل أحد ، بأول (٤) نظر ، ومنها ما هو خفىّ فلا يبدو لكل أحد ، ولا يدرك ببادئ النظر.
وقد روى الترمذي ، عن أبى سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : اتّقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور الله. وهذا مبيّن في كتب الأصول.
المسألة الثانية ـ إذا ثبت أن التوهّم والتفرّس من مدارك المعاني ومعالم المؤمنين ، فإنّ ذلك لا يترتّب عليه حكم ، ولا يؤخذ به موسوم ولا متفرّس. وقد كان قاضى القضاة الشامي المالكي ببغداد أيام كوني بالشام يحكم بالفراسة في الأحكام جريا على طريقة إياس بن معاوية أيام كان قاضيها ، ولشيخنا (٥) فخر الإسلام أبى بكر الشاشي جزء في الردّ عليه ، كتبه لي بخطه ، وأعطانيه ، وذلك صحيح ، فإن مدارك الأحكام معلومة شرعا ، مدركة قطعا ، وليست الفراسة منها.
__________________
(١) من م.
(٢) آية ٧٥.
(٣) هو عبد الله بن رواحة.
(٤) في م : لأول نظر.
(٥) في م : وكان شيخنا فخر الإسلام أبو بكر ... صنف جزءا.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
