الآية الخامسة ـ قوله تعالى (١) : (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ).
فيها ثلاث مسائل :
المسألة الأولى ـ قال المفسرون بأجمعهم : أقسم الله هنا بحياة محمد صلى الله عليه وسلم تشريفا له ، أنّ قومه من قريش في سكرتهم يعمهون وفي حيرتهم يتردّدون. قالوا : روى عن ابن عباس أنه قال : ما خلق الله وما ذرأ ولا برأ نفسا أكرم عليه من محمد ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره. وهذا كلام صحيح ، ولا أدرى ما الذي أخرجهم عن ذكر لوط إلى ذكر محمد ، وما الذي يمنع أن يقسم الله بحياة لوط ، ويبلغ به من التشريف ما شاء ، فكلّ ما يعطى الله للوط من فضل ، ويؤتيه من شرف فلمحمّد ضعفاه ، لأنه أكرم على الله منه. أو لا تراه (٢) قد أعطى لإبراهيم الخلّة ، ولموسى التكليم ، وأعطى ذلك لمحمد ، فإذا أقسم الله بحياة لوط فحياة محمد أرفع ، ولا يخرج من كلام إلى كلام آخر غيره لم يجر له ذكر لغير ضرورة.
المسألة الثانية ـ قوله : (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ).
أراد به الحياة والعيش ، يقال : عمر وعمر بضم العين وفتحها لغتان ، وقالوا : إن أصلها الضمّ ، ولكنها فتحت في القسم خاصة لكثرة الاستعمال ، والاستعمال إنما هو في غير القسم ، فأمّا القسم فهو بعض الاستعمال ، فلذلك صارا لغتين. فتدبّروا هذا.
المسألة الثالثة ـ قال أحمد بن حنبل : من أقسم بالنبىّ لزمته الكفارة ، لأنه أقسم بما لا يتمّ الإيمان إلا به ، فلزمته الكفارة ، كما لو أقسم بالله.
وقدمنا أنّ الله تعالى يقسم بما شاء من خلقه ، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به ، لقوله(٣) : من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت. فإن أقسم بغيره فإنه آثم ، أو قد أتى مكروها على قدر درجات القسم وحاله.
وقد قال مالك : إنّ المستضعفين من الرجال والمؤنثين منهم يقسمون بحياتك وبعيشك ، وليس من كلام أهل الذكر ، وإن كان الله أقسم به في هذه القصة فذلك بيان لشرف المنزلة وشرف المكانة ، فلا يحمل عليه سواه ، ولا يستعمل في غيره.
__________________
(١) آية ٧٢.
(٢) في ا : ترى.
(٣) صحيح مسلم ١٢٦٧.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
