المثال الثالث ـ إذا حلف ألّا يدخل الدار حينا : وهي متركبة (١) على ما قبلها في تحديد الحين ، لكنه يلحق الصلاة في احتمال أقلّ من يوم ، ويحتمل سائر الوجوه. والمعوّل عند علمائنا على العرف في ذلك إن لم تكن نيّة ولا سبب ولا بساط حال ، فيركب البر والحنث على النية أولا ، وعلى السبب ثانيا ، وعلى البساط ثالثا ، وعلى اللغة رابعا ، وعلى العرف خامسا ، وهو أولى من اللغة عندنا ، وسيأتى ذلك محققا في سورة «ص» وغيرها إن شاء الله.
الآية الرابعة ـ قوله تعالى (٢) : (رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).
فيها أربع مسائل :
المسألة الأولى ـ في تفسيرها :
روى عن ابن عباس من طرق : أنّ أوّل من سعى بين الصفا والمروة أم إسماعيل ، وأن أوّل من أجرّت الذيل أم إسماعيل ، وذلك أنه لما فرّت هاجر من سارة أرخت ذيلها لتعفّى أثرها على سارة ، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد ، وليس بمكّة يومئذ أحد ، وليس بها ماء ، فوضعها هنالك ، ووضع عندها جرابا فيه تمر ، وسقاء فيه ماء ، ثم قفل (٣) إبراهيم منطلقا ، فتبعته أمّ إسماعيل فقالت : يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ قالت له ذلك مرارا ، وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له : آلله أمرك بهذا؟ قال : نعم. قالت : إذن لا يضيّعنا الله. ثم رجعت.
فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ، ثم دعا بهؤلاء الدعوات (٤) ، ورفع يديه فقال : (رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) حتى بلغ : يشكرون ، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذ أنفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوّى ، أو قال : يتلبّط (٥) ، فانطلقت
__________________
(١) في م : وهي مركبة
(٢) آية ٣٧.
(٣) في ا : قفى.
(٤) في م : بهذه.
(٥) يتلبط : يتمرغ. وفي ا : يتلظى.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
