ومن طريق المعنى أن الفاسقين اللذين لا تقبل شهادتهما يلتعنان ، وهذا يدلك على أنه يمين. فإن قيل : الدليل على أنه شهادة قوله : (فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ) فجاء بالاسم الخاص بها ، ومن طريق المعنى أنه ردّدها خمسا ، ولو كانت يمينا ما رددت ، والحكمة في ترديدها قيامها في الأعداد مقام عدد الشهود في الزنا.
قلنا : أما ذكره تبارك وتعالى للفظ الشهادة فلا يقتضى لها حكمها (١) لوجهين :
أحدهما ـ أنّ العادة في العرب جارية بأن يقول : أشهد بالله ، وأحلف بالله ، في معرض الأيمان دون الشهادة. وأما تكرارها فيبطل بيمين القسامة ، فإنها تكررت ، وليست بشهادة إجماعا.
والحكمة في تكرارها التغليظ في الفروج والدماء على فاعلها ، لعله أن يكفّ عنها فيقع الستر في الفروج والحقن في الدم ، والفيصل في أنه يمين ، لا شهادة ، أنّ الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواها ، وتخليصه عن العذاب ، وكيف يجوز لأحد أن يدّعى في الشريعة أنّ شاهدا يشهد لنفسه بما يوجب حكما على غيره؟ هذا بعيد في الأصل معدوم في النظر.
المسألة الرابعة ـ راعى (٢) أبو حنيفة عموم الآية ، فقال : إنّ الرجل إذا قذف زوجته بالزنا قبل أن يتزوّجها فإنه يلاعن ، ونسى أنّ ذلك قد تضمنه قوله : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ) ، وهذا رماها وهي محصنة غير زوجة ، وإنما يكون اللعان في قذف يلحق فيه النسب ، وهذا قذف لا يلحق فيه نسب ، فلا يوجب لعانا ، كما لو قذف أجنبية ثم تزوّجها.
المسألة الخامسة ـ إذا قذفها بعد الطلاق نظرت ، فإن كان هنالك نسب يريد أن ينفيه ، أو حمل يتبرّأ منه لاعن ، وإلا لم يلاعن.
وقال عثمان البتّى : لا يلاعن بحال ، لأنها ليست بزوجة.
وقال أبو حنيفة : لا يلاعن في الوجهين ، لأنها ليست بزوجة.
وهذا ينتقض عليه بالقذف قبل الزوجية كما تقدم ، بل هذا أولى ، لأن النكاح قد تقدم ، وهو يريد الانتفاء من النّسب ، وتبرئته من ولد يلحق به ، فلا بدّ من اللعان.
__________________
(١) في م : حكما.
(٢) في م : رأى.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
