المسألة السادسة عشرة ـ ولا خلاف في أن التوبة تسقط الفسق ، واختلفوا في ردّ الشهادة على أربعة أقوال :
الأوّل ـ أنها تقبل قبل الحدّ وبعد التوبة ؛ قاله مالك ، والشافعى ، وغيرهما من جمهور الناس.
الثاني ـ أنه إذا قذف لا تقبل شهادته أبدا ، لا قبل الحدّ ولا بعده ؛ وهو مذهب شريح.
الثالث ـ أنها تقبل قبل الحدّ ، ولا تقبل بعده ؛ وإن تاب ؛ قاله أبو حنيفة.
الرابع ـ أنها تقبل شهادته بعد الحد ، ولا تقبل قبله ؛ وهو قول إبراهيم النخعي. وهذه مسألة طيولية. وقد حققناها في مسائل الخلاف ، وأوضحنا سبيل النحو (١) فيها في كتاب الملجئة.
وبالجملة فإنّ أبا حنيفة يجعل ردّ الشهادة من جملة الحدّ ، ويرى أنّ قبول الشهادة ولاية قد زالت بالقذف ، وجعلت العقوبة فيها في محل الجنابة ، وهي اللسان تغليظا لأمرها.
وقلنا نحن : إنها (٢) حكم علّته الفسق ، فإذا زالت العلة ـ وهي الفسق ـ بالتوبة قبلت الشهادة ، كما في سائر المعاصي.
وقد اختلف الصحابة كاختلاف الفقهاء ؛ فكان عمر يقول لأبى بكرة : تب أقبل شهادتك ، فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمّدا رسول الله ، وأنّ المغيرة بن شعبة زنى بفلانة.
ونصّ الحادثة ما رواه أبو جعفر ، قال : كان المغيرة بن شعبة يباغى أبا بكرة وينافره ، وكانا بالبصرة متجاورين بينهما طريق ، وكانا في مشربتين متقابلتين في داريهما ، في كلّ واحدة منهما كوّة تقابل الأخرى ، فاجتمع إلى أبى بكرة نفر يتحدثون في مشربته ، فهبّت ريح ، ففتحت باب الكوّة فقام أبو بكرة ليصفقه (٣) ؛ فبصر بالمغيرة وقد فتحت الريح باب الكوّة في مشربته وهو بين رجلي امرأة قد توسّطها ، فقال للنفر : قوموا فانظروا ، ثم اشهدوا ؛ فقاموا فنظروا ، فقالوا : ومن هذه؟ فقال : هذه أم جميل بنت الأرقم. وكانت
__________________
(١) في م : الحق.
(٢) في م : إنه.
(٣) ليغلقه.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
