وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر قد غلب عليه مقام الخوف ، فرفع يديه إلى السماء ، وقال : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض ، مادّا يديه ، حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فقال له أبو بكر : كفاك يا رسول الله مناشدتك ربّك ، فإنه منجز لك ما وعدك ، حسبك يا رسول الله ، فقد ألححت على ربك ، مغلبا جانب الرجاء في نفوذ الوعد.
قال القاضي : ليس يحتاج في هذه الآية إلى اختلاف القراءة بين (١) يأتون ويؤتون ، فإن قوله : يؤتون يعطى الأمرين ، تقول العرب : آتيت من نفسي القبول ، وآتيت منها الإنابة ، تريد أعطيت القياد من نفسي ، يعنى إذا أطاع. وأعطيت العناد من نفسي يعنى إذا عصى ، فمعناه يؤتون ما أتوا من طاعة أو من معصية ، ولكن ظاهر الآية وسياق الكلام يقتضى أنه يؤتى الطاعة ، لأنه وصفهم بالخشية لربهم ، والإيمان بآياته ، وتنزيهه عن الشرك ، وخوفهم عدم القبول منهم عند لقائه لهم ، فلا جرم من كان بهذه الصفة يسارع في الخيرات ، وأما من كان على العصيان متماديا في الخلاف مستمرّا ، فكيف يوصف بأنه يسارع في الخيرات أو بالخشية لربّه ، وغير ذلك من الصفات المتقدمة فيه.
أما إن الذي يأتى المعصية على ثلاثة أقسام : أحدها الذي يأتيها ويخاف العذاب ، فهذا هو المذنب. والذي يأتيها آمنا من عذاب الله من جهة غلبة الرجاء عليه فهو المغرور ، والمعرور في حزب الشيطان. وإن أتاها شاكّا في العذاب فهو ملحد لا مغفرة له. ولأجل إشكال قوله : (يُؤْتُونَ ما آتَوْا) قال بعضهم : يعنى به إنفاق الزكاة ، لأنه لم يظهر إليه صلاحية لفظ العطاء إلا في المال. وقد بيّنا أن لفظ العطاء ينطلق في كل معنى : مال وغيره ، وفي كل طاعة ومعصية ، واتضحت الآية ، والله أعلم.
المسألة الرابعة ـ قوله : (أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ).
هذا دليل على أنّ المبادرة إلى الأعمال الصالحة ، من صلاة في أول الوقت ، وغير ذلك من العبادات ـ هو الأفضل ، ومدح الباري أدلّ دليل على صفة الفضل في الممدوح على غيره ، والله أعلم. وقد بيناه في مواضع متقدمة.
__________________
(١) في م : القراءتين.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
