وتعلّق أبو حنيفة بأنّ ما وجب بسبب محظور التحق بجزاء الصيد.
وتعلق مالك بأنّ جزاء الصيد جعله الله للمساكين بقوله (١) : (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ) ، وحكم البدل حكم المبدل ، وقال في فدية الأذى (٢) : (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم في فدية الأذى : وأطعم ستة مساكين مدّين لكل مسكين ، ونذر المساكين مصرّح به ، وأما غير ذلك من الهدايا فهو على أصل قوله تعالى : (وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ).
وهذا نصّ في إباحة الأكل ، وقد ثبت في الصحيح أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نحر بدنه ، وأمر من كل بدنة ببضعة ، فطبخها وأكل منها ، وشرب من مرقها ، وكان من هديه واجبا ، وهو دم القران الذي كان عليه في حجّه ، وإنما أذن الله تعالى في الأكل لأجل أنّ العرب كانت لا ترى أن تأكل من نسكها ، فأمر الله نبيه بمخالفتهم ، فلا جرم كذلك شرع وبلغ ، وكذلك فعل حين أهدى وأحرم.
وما تعلق به أبو حنيفة غير صحيح ، فليست العلّة ما ذكر من الحظر ، وإنما هو دعوى لا برهان عليها.
المسألة التاسعة ـ اختلف الناس في حكم قوله تعالى : (فَكُلُوا) ، (وَأَطْعِمُوا) على ثلاثة أقوال :
الأول ـ أنهما واجبان ، قاله أبو الطيب بن أبى ثعلبة.
الثاني ـ أنهما مستحبّان ، قاله ابن شريح.
الثالث ـ أن الأكل مستحبّ ، والإطعام واجب ، قاله الشافعى ، وهو صريح قول مالك ، فأما من قال : إنهما واجبان فتعلّق بظاهر القول ، مع ما فيه من مخالفة الجاهلية ، ففيه غريبة من الفقه لم يقع لي ، مذ قرأت العلم ، لها نظير ، وذلك أن قول القائل : إنهما جميعا يتركان ،
__________________
(١) سورة المائدة ، آية ٩٨.
(٢) سورة البقرة ، آية ١٩٦.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
