والأول أصح : لأنّه عدده على نفسه فدلّ على أنه خرج مخرج التعريض ، وذلك أنهم كانوا يعبدونهم ويتّخذونهم آلهة دون الله ، وهم كما قال إبراهيم لأبيه : يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا؟ فقال إبراهيم : بل فعله كبيرهم هذا ، ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا يفعلون ولا ينفعون ولا يضرّون ، فيقول لهم : فلم تعبدون؟ فتقوم الحجة عليهم منهم. ولهذا يجوز (١) عند الأئمة فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه ، فإنه أقرب في الحجة وأقطع للشبهة ، كما قال لقومه : هذا ربي ، على معنى الحجة عليهم ، حتى إذا أقل منهم تبيّن حدوثه ، واستحالة كونه إلها.
المسألة الثالثة ـ قوله : هذا ربّى ، وهذه أختى ، وإنى سقيم ، وبل فعله كبيرهم : هذه وإن كانت معاريض وحسنات ، وحججا في الحق ، ودلالات ، ولكنها أثرت في الرتبة ، وخفضت عن محمد من المنزلة ، واستحيا منها قائلها على ما ورد في حديث الشفاعة ، لأن الذي كان يليق بمرتبته في النبوّة والخلة أن يصدع بالحق ، ويصرّح بالأمر فيكون ما كان ، ولكنه رخّص له فقيل الرخصة ، فكان ما كان من القصة ، ولهذا جاء في حديث الشفاعة(٢): إنما اتّخذت خليلا من وراء وراء ، يعنى بشرط أن تتبع عثراتي ، وتختبر أحوالى ، والخلة المطلقة لمحمد ، لأنه قال (٣) له : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) ، ولذلك تقول العرب في أمثالها : ابغني من ورائي ، أى اختبر حالي.
المسألة الرابعة ـ في هذا الحديث نكتة عظمى تقصم الظهر ، وهي أنه قال رسول الله: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ، ثنتين منها ما حل بهما عن دين الله ، وهي قوله : إنى سقيم ، وبل فعله كبيرهم هذا ، ولم يعدّ قوله : هذه أختى في ذات الله ، وإن كان دفع بها مكروها ، ولكنه لما كان لإبراهيم فيها حظّ من صيانة فراشه ، وحماية أهله ، لم يجعل في جنب الله ذلك ، لأنه لا يجعل في ذات الله إلا العمل الخالص من شوائب الحظوظ الدنياوية ، أو المعاني (٤) التي ترجع إلى النفس ، حتى إذا خلصت للمدين كانت لله ، كما قال (٥) : (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ). وهذا لو صدر منا لكان لله ، ولكن منزلة إبراهيم اقتضت هذا والله أعلم.
__________________
(١) في ا : لا يجوز ، وهو تحريف صوابه من القرطبي.
(٢) صحيح مسلم : ١٨٧.
(٣) سورة الفتح ، آية ٢.
(٤) في القرطبي : أو المعاريض.
(٥) سورة الزمر ، آية ٣.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
