فإنه قال : فاعبدني ، أى تذلل لي ، وأقم الصلاة لمجرد ذكرى ، تحرّم عن الدنيا ، وأخلص للأخرى ، واعمر لسانك وقلبك بذكر المولى.
وقد بينا أن هذا لمن قدر عليه هو الأولى ، فمن لم يفعل كتب له منها بمقدار ذلك فيها ، وقد مهدنا هذا في شرح الحديث.
الآية الثالثة ـ قوله تعالى (١) : (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى. قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى).
فيها خمس مسائل :
المسألة الأولى ـ قوله : (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ).
قال علماؤنا : إنما سأله عنها لما كان أضمر من الآية له فيها ، حتى إذا رجع عليها ، وتحقّق حالها ، وكسيت تلك الحلة الثعبانية بمرأى منه لابتدائها كان تبديلها مع الذكر أوقع في القلب وأيسر له من أن يغفل عنها ، فيراها بحلة الثعبانية مكسوّة ، فيظن أنها عين أخرى سواها.
المسألة الثانية ـ (قالَ هِيَ عَصايَ).
قال أرباب القلوب : الجواب المطلق أن يقول هي عصا ، ولا يضيف إلى نفسه شيئا ، فلما أراد أن يكونا اثنين أفرد عنها بصفة الحية ؛ فبقى وحده لله كما يحب ، حتى لا يكون معه إلا الله ، يقول الله : أنت عبدى ، ويقول موسى : أنت ربّى.
المسألة الثالثة ـ أجاب موسى بأكثر من المعنى الذي وقع السؤال عنه ؛ فإنه ذكر في الجواب أربعة معان (٢) ، وكان يكفى واحد ، قال : الإضافة (٣) ، والتوكؤ ، والهشّ ، والمآرب المطلقة ، وكان ذلك دليلا على جواب السؤال بأكثر من مقتضى ظاهره. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته ، لمن سأله عن طهورية ماء البحر.
المسألة الرابعة ـ الهش : هو أن يضع المحجن في أصل الغصن ويحرّكه فيسقط منه ما سقط ، ويثبت ما ثبت ؛ قاله ابن القاسم ، عن مالك ، وروى عنه أيضا أنه قال : مرّ النبىّ
__________________
(١) آية ١٧ ، ١٨.
(٢) في ا : خمسة معان. وهو تحريف.
(٣) في القرطبي : إضافة العصا إليه ، وكان حقه أن يقول عصا.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
