والنفل هو الزيادة ، كما تقدم بيانه ، وفي وجه الزيادة هاهنا قولان :
الأول ـ أنه زيادة على فرضه خاصّة دون الناس.
الثاني ـ قوله : (نافِلَةً لَكَ) ، أى زيادة ، لأنه لا يكفّر شيئا ، إذ غفر له ذنبه.
والأول أصحّ ، لأنّ الثاني فاسد ، إذ نفله وفرضه لا يصادف ذنبا ، ولا صلاة الليل ولا صلاة النهار تكفّران خطيئة ، لأن ذلك معدوم في حقّه وجودا ، معدوم في حقه مؤاخذة لو كان لفضل المغفرة من الله عليه. ومن خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل ، وكان يقوم حتى ترم قدماه ، وقد بينا ذلك في سورة «الأحزاب» ، وفي سورة «المزمّل».
المسألة الثالثة ـ في صفة هذا التهجد :
وفيه ثلاثة أقوال :
الأول ـ أنه النوم ، ثم الصلاة ، ثم النوم ، ثم الصلاة.
الثاني ـ أنه الصلاة بعد النوم.
الثالث ـ أنه بعد صلاة العشاء.
وهذه دعاوى من التابعين فيها ، ولعلهم إنما عوّلوا على أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم كان ينام ويصلّى ، وينام ويصلى ، فعوّلوا على أنّ ذلك الفعل كان امتثالا لهذا الأمر ، فإن كان ذلك فالأمر فيه قريب.
المسألة الرابعة ـ في وجه كون قيام الليل سببا للمقام المحمود.
وفيه قولان للعلماء :
أحدهما ـ أن البارئ يجعل ما شاء من فعله سببا لفضله من غير معرفة بوجه الحكمة فيه ، أو بمعرفة وجه الحكمة.
الثاني ـ أنّ قيام الليل فيه الخلوة مع البارئ والمناجاة دون الناس ، فيعطى الخلوة به ومناجاته في القيامة (١) ، فيكون مقاما محمودا (٢) ، ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم ، فأجلّهم فيه درجة محمد صلى الله عليه وسلم فإنّه يعطى من المحامد ما لم يعط أحد ، ويشفع ولا يشفع أحد ، والله أعلم.
__________________
(١) في ا : في القيام.
(٢) في القرطبي : وهو المقام المحمود.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
