فيها أربع مسائل :
المسألة الأولى ـ في سبب نزولها : وفي ذلك روايات ، أصلها روايتان (١) :
إحداهما ـ أنه لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا ، ومن المهاجرين ستة ، فيهم حمزة ، فمثّلوا بهم ، فقالت الأنصار : لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم ، قال : فلما كان فتح مكة ، فأنزل الله (وَإِنْ عاقَبْتُمْ ...) الآية ، فقال رجل : لا قريش بعد اليوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كفّوا عن القوم إلا أربعة.
الثانية ـ أن النبىّ صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب حين استشهد ، فنظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء كان أوجع منه لقلبه ، ونظر إليه قد مثّل به ، فقال : رحمة الله عليك ، فإنك كنت ـ ما عرفتك ـ فعولا للخيرات ، وصولا للرحم ، ولو لا حزن من بعدك عليك لسرّنى أن أدعك ، حتى تحشر من أفراد شتى. أما والله مع ذلك لأمثلنّ بسبعين منهم.
فنزل جبريل ـ والنبىّ صلى الله عليه وسلم واقف ـ بخواتيم النحل : (وَإِنْ عاقَبْتُمْ) الآيات ، فصبر النبي ، وكفّر عن يمينه ، ولم يمثّل بأحد.
المسألة الثانية ـ قال علماؤنا : الجزاء على المثلة عقوبة ، فأما ابتداء فليس بعقوبة ، ولكنها سميت باسمها ، كما قال (٢) : (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) ، وكما قال (٣) : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها). وعادة العرب هكذا في الازدواج ، فجاء القرآن على حكم اللغة ، وقد تقدّم بيان ذلك.
المسألة الثالثة ـ في هذه الآية جواز التماثل في القصاص ، فمن قتل بحديدة قتل بها ، وكذلك من قتل بحجر أو حبل أو عود امتثل فيه ما فعل ، وقد بيّنا ذلك فيما تقدم في البقرة والمائدة وغيرهما ، فلا معنى لإعادته.
المسألة الرابعة ـ قوله تعالى : (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ).
إشارة إلى فضل العفو ، وقد تقدّم في المائدة وغيرها. والله الموفق للصواب.
__________________
(١) أسباب النزول : ١٦٣.
(٢) سورة البقرة ، آية ١٩٤.
(٣) سورة الشورى ، آية ٤٠.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
