فيها الكذب على الإتباع لموضع ما يقولون. ومن رفع الكاف والذال جعله نعتا للألسنة. ومن نصب الكاف والباء جعله مفعول قوله : تقولوا ، وهو بيّن كله.
المسألة الثانية ـ معنى الآية.
لا تصفوا الأعيان بأنها حلال أو حرام من قبل أنفسكم ، إنما المحرّم المحلّل هو الله سبحانه. وهذا ردّ على اليهود الذين كانوا يقولون : إن الميتة حلال ، وعلى العرب الذين كانوا يقولون : ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ، ومحرّم على أزواجنا ، افتراء على الله بضلالهم ، واعتداء ، وإن أمهلهم الباري في الدنيا فعذاب الآخرة أشدّ وأبقى.
المسألة الثالثة ـ قال ابن وهب : قال لي مالك : لم يكن من فتيا المسلمين أن يقولوا : هذا حرام وهذا حلال ، ولكن يقولون : إنّا نكره هذا ، ولم أكن لأصنع هذا ، فكان الناس يطيعون ذلك ، ويرضون به. ومعنى هذا أنّ التحريم والتحليل إنما هو الله كما تقدم بيانه ، فليس لأحد أن يصرّح بهذا في عين من الأعيان ، إلا أن يكون الباري يخبر بذلك عنه ، وما يؤدى إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول : إنى أكره كذا ، وكذلك كان مالك يفعل ، اقتداء بمن تقدّم من أهل الفتوى.
فإن قيل : فقد قال فيمن قال لزوجته : أنت علىّ حرام ـ إنها حرام ، وتكون ثلاثا. قلنا : سيأتى بيان ذلك في سورة التحريم إن شاء الله.
ونقول هاهنا : إن الرجل هو الذي ألزم ذلك لنفسه ، فألزمه مالك ما التزم.
جواب آخر ـ وهو أقوى ، وذلك أنّ مالكا لما سمع علىّ بن أبى طالب يقول : إنها حرام أفتى بذلك اقتداء به ، وقد يتقوّى الدليل على التحريم عند المجتهد. فلا بأس أن يقول ذلك عندنا ، كما يقول : إنّ الربا حرام في غير الأعيان الستة التي وقع ذكرها في الربا ، وهي الذهب ، والفضة ، والبرّ ، والشعير ، والتمر ، والملح ، وكثيرا ما يطلق مالك ، فذلك حرام لا يصلح في الأموال الربوية ، وفيما خالف المصالح ، وخرج عن طريق المقاصد ، لقوّة الأدلة في ذلك.
الآية التاسعة عشرة ـ قوله تعالى (١) : (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
__________________
(١) آية ١٢٤.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
