قلنا : هذه الحبوب وسائر الثمرات وإن وقع الامتنان بها ، وكانت لها وجوه ينتفع منها ، فلا يقوم مقام النخل ، والعنب شيء ، لأنّ فيه الخل ، وهو أجل منفعة في العالم ، فإنه دواء وغذاء ، فلما لم يحل محل هاتين الثمرتين شيء خصّا بالتنبيه عليهما.
الآية التاسعة ـ قوله تعالى (١) : (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ).
فيها ست مسائل :
المسألة الأولى ـ قد بينا في شرح الحديث وكتب الأصول أنّ الوحى ينقسم على ثمانية أقسام : منها الإلهام ، وهو ما يخلقه الله في القلب ابتداء من غير سبب ظاهر ، وهو من قوله تعالى (٢) : (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها). ومن ذلك البهائم وما يخلق الله فيها من درك منافعها ، واجتناب مضارّها ، وتدبير معاشها.
ومن عجيب ما خلق الله في النحل أن ألهمها لاتّخاذ بيوتها مسدّسة ، فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة ، وذلك أنّ الأشكال من المثلث إلى المعشر إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتّصل ، وجاءت بينهما فرج إلا الشكل المسدس ، فإنه إذا جمع إلى أمثاله التسديس ، يحمى بعضها بعضا عند الاتصال. وجعلت كل بيت على قدرها ، فإذا تشكل عند حركة النحلة بقدرة الله وعلمه ، وملأته عسلا انتقلت إلى غيره بتسخير الله وتقديره وتذليله ، إن تركت عسلت ، وإن حملت اتبعت ، وهي ذات جناح ، ولكن القابض الباسط هو الذي سخّرها ودبّرها.
المسألة الثانية ـ قوله : (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ) ، يعنى العسل ، عددها الله في نعمه ، وذكر شرابه ممتّنا به ، وسماه شرابا وإن كان مطعوما ، لأنه يصرف في الأشربة أكثر من تصريفه في الأطعمة ، ولأنه مائع ، وذلك بالشرابية أخصّ كما أن الجامد أخص بالطعامية.
__________________
(١) آية ٦٨.
(٢) سورة الشمس ، آية ٧.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
