فإن قيل : كيف يحرم ما أحل الله هاهنا ، وينسخ هذا الحكم ، وهو خبر ، والأخبار لا يدخلها النسخ.
قلنا : هذا كلام من لم يتحقق الشريعة ، وقد بينا حقيقته قبل ، وأوضحنا أن الخير إذا كان عن (١) الوجود الحقيقي فذلك الذي لا يدخله نسخ ، أو كان عن الفضل المعطى ثوابا فهو أيضا لا يدخله نسخ (٢) ، فأما إن كان خبرا عن حكم الشرع فالأحكام تتبدّل وتنسخ جاءت بخبر أو بأمر ، ولا يرجع ذلك إلى تكذيب في الخبر أو الشرع الذي كان مخبرا عنه قد زال بغيره.
وإذا فهمتم هذا خرجتم عن الصنف الغبىّ الذي أخبر الله عن الكفار فيه بقوله تعالى(٣) : (وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ). يعنى أنهم جهلوا أنّ الربّ يأمر بما يشاء ، ويكلّف ما يشاء ، ويرفع من ذلك بعدله ما يشاء ، ويثبت ما يشاء ، وعنده أمّ الكتاب.
جواب ثالث (٤) ـ وأما ما عضدوه به من الأحاديث فالأول ضعيف ، والثاني في سقى النبىّ صلى الله عليه وسلم ما بقي للخدم صحيح ، لكنه ما كان يسقيه للخدم لأنه مسكر ، وإنما كان يسقيه لأنه متغيّر الرائحة ، وكان صلى الله عليه وسلم أكره الخلق في خبيث الرائحة ، ولذلك تحيّل عليه أزواجه في عسل زينب ، فإنهن (٥) قلن له : إنا نجد منك ريح مغافير ـ يعنى ريحا ننكره (٦). وقد استوفينا الكلام في هذه المسألة مع أصحاب أبى حنيفة في كتب الخلاف أثرا ونظرا ، فلينظر هنالك إن شاء الله تعالى.
المسألة السادسة ـ قوله تعالى : (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً).
وإذا قيل : إنّ ثمرات الحبوب وغيرها تتخذ منه رزق حسن وسكر.
__________________
(١) في ا : على.
(٢) في القرطبي : ولا يرجع النسخ إلى نفس اللفظ ، وإنما يرجع إلى ما تضمنه ـ وهنا في هامش م : «مسألة في تحقيق النسخ ، وهل يدخل على الأخبار».
(٣) آية ١٠١ من هذه السورة.
(٤) في م : جواب آخر.
(٥) في م ، والقرطبي : بأن قلن له.
(٦) في م : منكرة.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3220_ahkam-alquran-03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
