فمطلع الأول ـ أنّ الرأس وإن كان عبارة عن العضو فإنه ينطلق على الشعر بلفظه ، قال الله تعالى (١). (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ). وقال النبي صلّى الله عليه وسلم : احلق رأسك ، والحلق إنما هو في الشعر ، إذا ثبت هذا تركّب عليه :
المطلع الثاني ـ وهو أن إضافة الفعل إلى الرأس ينقسم في العرف والإطلاق إلى قسمين :
أحدهما ـ أنه يقتضى استيفاء الاسم.
والثاني ـ يقتضى بعضه ؛ فإذا قلت : «حلقت رأسى» ـ اقتضى في الإطلاق العرفي الجميع. وإذا قلت : مسحت الجدار أو رأس اليتيم أو رأسى اقتضى البعض ، فيتركّب عليه : المطلع الثالث ـ وهو أنّ البعض لا حدّ له مجزئ منه ما كان ، قال لنا الشاشي : لما قال الله تعالى : (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ) ، وكان معناه شعر رءوسكم ، وكان أقلّ الجمع ثلاثا ، قلنا : إن حلق ثلاث شعرات أجزأه ، وإن مسحها أجزأه ، والمسح أظهر ، وما يقع عليه الاسم أقلّه شعرة واحدة.
المطلع الرابع ـ نظر أبو حنيفة إلى أنّ الوضوء إنما شرعه الله سبحانه فيما يبدو من الأعضاء في الغالب ، والذي يبدو من الرأس تحت العمامة الناصية ، ولا سيما وهذا يعتضد
بالحديث الصحيح أنّ النبي صلّى الله عليه وسلم توضّأ فمسح ناصيته وعمامته (٢).
المطلع الخامس ـ أنه إذا ثبت مسح الناصية فلا يتيقّن موضعها ؛ وإنما المقصود تعلّق العبادة بالرأس ؛ فقد ثبت مسح النبي صلّى الله عليه وسلم الناصية ، وهي نحو الربع فيتقدر الربع منه أين كان ، ومطلع الربع بتقدير الأصابع يأتى إن شاء الله ، ومطلع الجميع أنّ الله سبحانه وتعالى علّق عبادة المسح بالرأس ، كما علّق عبادة الغسل بالوجه ؛ فوجب الإيعاب فيهما بمطلق اللفظ.
وقول الشافعى : إن مطلق القول في المسح لا يقتضى الإيعاب عرفا ، فما علق به ليس بصحيح ؛ إنما هو مبنى على الأغراض وبحسب الأحوال ، تقول : مسحت الجدار ، فيقتضى بعضه من أجل أن الجدار لا يمكن تعميمه بالمسح حسّا ، ولا غرض في استيعابه قصدا ،
__________________
(١) سورة البقرة ، آية ١٩٦.
(٢) ابن ماجة : ١٥٠ ، وأحكام الجصاص : ٣ ـ ٣٤٦ ، والقرطبي : (٦ ـ ٨٨) ، وأخرجه مسلم.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
