وقد قال تعالى (١) : (كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ). وأخبر تعالى أنّ العذاب واقع بهم لأجل سكوتهم عن المنكر المفعول ، والمعروف المتروك ؛ وهذا يدلّ على مخاطبة الكفار بفروع الشريعة ، وأنهم يعذّبون على تركها ، وإلى هذا المعنى أشار الصدّيق رضى الله عنه آنفا يقوله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعذاب من عنده. وذلك إنما يكون مع القدرة على ذلك بيقين الأمن (٢) من الضرر عند القيام به ؛ يدلّ عليه قوله في حديث أبى ثعلبة الخشني : فإذا رأيت شحّا مطاعا ، وهوى متّبعا ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كلّ ذي رأى برأيه فعليك بخاصة نفسك ، ودع أمر العامة. وذلك لعدم الاستطاعة على معارضة الخلق ، والخوف على النفس أو المال من القيام بالحق. وتلك رخصة من الله عز وجل يسّرها علينا ، وفضله العميم آتاناه ، وقد بينا كيفية العمل فيه والاختلاف عليه.
ويعضد ذلك الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (٣) : من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده ، فإن لم يستطع فليغيّره بلسانه ، فإن لم يستطع فليغيره بقلبه ، وذلك أضعف الإيمان.
ولهذا المعنى حدّث أبو سعيد الخدري مروان بن الحكم حين أراد أن يصعد المنبر قبل الصلاة في خطبة العيدين ، فقال له مروان : ذهب (٤) ما كنت تعلم. فسكت أبو سعيد ، وذكر نحو الحديث المتقدم ؛ إذ لم يقدر على مخالفة الملك ، ولا استطاع منازعة الإمارة ، وسكت (٥).
فإن قيل : لم لم يخرج عن الناس ، ولم يحضر بدعة ، ويقيم سنة مبدّلة؟
قلنا : في الجواب وجهان :
أحدهما ـ ما قال عثمان ، حين قيل له إنه يصلّى لنا إمام فتنة. قال الصلاة أحسن ما يفعل الناس ؛ فإذا أحسن الناس فأحسن معهم ، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم.
الثاني ـ أن أبا سعيد لم يستطع الخروج ؛ فإن الموضع كان محاطا به من الحرس مشحونا
__________________
(١) سورة المائدة ، آية ٧٩.
(٢) في ل : لبقاء الأمر.
(٣) صحيح مسلم : ٦٩.
(٤) في ل : أذهب.
(٥) في ل : فسكت.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
