وروى أبو الأحوص عون (١) بن مالك بن نضلة الجشمي عن أبيه أنه وفد على النبىّ صلى الله عليه وسلم فقال : أربّ إبل أنت أم ربّ غنم؟ فقال : من كل المال آتاني الله فأكثر وأطيب. فقال : هل تنتج إبلك صحاحا آذانها فتعمد إلى المواسى فتقطع آذانها ، فتقول : هذه بحر. وتشقّ جلودها ، فتقول : هذه صرم (٢) ، فتحرّمها عليك وعلى أهلك؟ قال : نعم. قال : فإن الله تعالى قد أحلّ لك ما آتاك ، وموسى الله أحدّ ، وساعد الله أشدّ.
المسألة الرابعة ـ لما ذم الله تعالى العرب على ما كانت تفعله من ذلك كان ذلك تحذيرا للأمة عن الوقوع في مثل ذلك من الباطل ، ولزمهم الانقياد إلى ما بيّن الله تعالى من التحليل والتحريم ، دون التعلق بما كان يلقيه إليهم الشيطان من الأباطيل.
قال محمد بن عبد الحكم : سمعت الشافعى يقول : قال مالك بن أنس : الحبس الذي جاء محمد صلى الله عليه وسلم بإطلاقها التي في كتاب الله تعالى : (ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ).
قال الشافعى : هذا الذي كلّم به مالك بن أنس أبا يوسف عند هارون. وهذه إشارة إلى أنّ أبا يوسف خالف مالكا في الأحباس ، ورأى رأى شيخه أبى حنيفة في أنّ الحبس باطل.
وروى عبد الملك بن عبد العزيز قال : حضرت مالكا وقد قال له رجل من أهل العراق عن صدقة الحبس ، فقال : إذا حيزت مضت. قال العراقي : إن شريحا قال : لا حبس عن كتاب الله. فضحك مالك ، وكان قليل الضحك ، وقال : يرحم الله شريحا لو (٣) درى ما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هاهنا.
وقد روى أن مالكا قال له أبو يوسف بحضرة الرشيد : إنّ الحبس لا يجوز. فقال له مالك : فهذه الأحباس أحباس رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر وفدك وأحباس أصحابه؟
فأما حظّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبت عنه أنه قال : إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة.
__________________
(١) في ل : بن عوف.
(٢) صرم : جمع صريم. هو الذي صرمت أذنه ، أى قطعت (النهاية)
(٣) في ل : لقد.
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
