المسألة الثامنة ـ فإن صاده الحلال في الحلّ ، فأدخله في الحرم جاز له التصرف فيه بكل نوع من ذبحه وأكل لحمه.
وقال أبو حنيفة : لا يجوز ؛ ودليلنا أنه معنى يفعل في الصيد ؛ فجاز في الحرم الحلال كالإمساك والشراء ، ولا خلاف فيهما.
قال علماؤنا : ولأنّ المقام في الحرم يدوم ، والإحرام ينقطع ، فلو حرّمنا عليه ذلك في الحرم لأدّى إلى مشقّة عظيمة ، فسقط التكليف عنه فيه لذلك.
وهذا من باب تخصيص العموم بالمصالح ، وقد مهدناه في أصول الفقه ، والمصلحة من أقوى أنواع القياس.
المسألة التاسعة ـ إذا كان المحرم محرما بدخول حرم المدينة لم يجز له الاصطياد فيه.
وقال أبو حنيفة : يجوز له ذلك.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم (١) : اللهم إنّ إبراهيم عبدك وخليلك حرّم مكة ، وإنى أحرم المدينة بمثل ما حرّم به إبراهيم مكة ، ومثله معه ؛ لا يقطع عضاهها (٢) ولا يصاد صيدها.
وهذا نصّ صحيح صريح ، خرجه الأئمة : واللفظ لمسلم.
المسألة العاشرة ـ إذا صاد بالمدينة كان آثما ولم يكن عليه جزاء إن قتله بها.
وقال سعد : جزاؤه أخذ سلبه. وقال ابن أبى ذئب : عليه الجزاء.
أما قول سعد : فإن مسلما خرج عنه أنّ رجلا صاد بالمدينة فلقيه سعد فأخذ سلبه فكلّم في ردّه ، فقال : ما كنت لأردّ شيئا نفّلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وهذا مخصوص بسعد ؛ لأنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم لم يقل من لقى صائدا بالمدينة فليستلبه ثيابه كائنا من كان. وأما ابن أبى ذئب فاحتجّ بأنه حرم ، فكان الجزاء على من قتل فيه صيدا ، كما يفعل في حرم مكة.
وقال علماؤنا : لو كان حرم المدينة كحرم مكة ما جاز دخولها إلا بالإحرام ، فافترقا.
وقد جعل النبىّ صلى الله عليه وسلم جزاء المتعدى فيه ما روى أن من أحدث أو آوى
__________________
(١) صحيح مسلم : ٩٩١.
(٢) العضاهة ـ بالكسر : أعظم الشجر ، أو كل ذات شوك. والجمع عضاه (القاموس).
![أحكام القرآن [ ج ٢ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3219_ahkam-alquran-02%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
