عليهم أجمعين كلام ، ثم استقرّ الأمر على أنه من أصبح جنبا فإنّ صومه صحيح (١) ، وبهذا احتجّ ابن عباس عليه ، ومن هاهنا أخذه باستنباطه ، وغوصه ، والله أعلم.
المسألة السادسة عشرة ـ قوله تعالى : (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ).
الاعتكاف في اللغة هو اللبث ، وهو (٢) غير مقدّر عند الشافعى وأقلّه لحظة ، ولا حدّ لأكثره. وقال مالك وأبو حنيفة : هو مقدّر بيوم وليلة ، لأنّ الصوم عندهما من شرطه.
قال علماؤنا : لأن الله تعالى خاطب الصائمين ، وهذا لا يلزم في الوجهين. أما اشتراط الصوم فيه بخطابه تعالى لمن صام فلا يلزم بظاهره ولا باطنه ؛ لأنها حال واقعة لا مشترطة.
وأما تقديره بيوم وليلة لأنّ الصوم من شرطه فضعيف ؛ فإنّ العبادة لا تكون مقدّرة بشرطها ؛ ألا ترى أنّ الطهارة شرط في الصلاة ، وتنقضي الصلاة وتبقى الطهارة ، وقد حققنا في مسائل الخلاف دليل وجوب الصّوم فيه ، ويغنى الآن لكم عن ذلك ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر : اعتكف وصم. وكان شيخنا فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد الشاشي إذا دخلنا معه مسجدا بمدينة السلام لإقامة ساعة يقول : انووا الاعتكاف تربحوه. وعوّل مالك على أنّ الاعتكاف اسم لغوىّ شرعي ، فجاء الشرع في حديث عمر رضى الله عنه بتقدير يوم وليلة ، فكان (٣) ذلك أقله ، وجاء فعل النبي صلى الله عليه وسلم باعتكاف عشرة أيام ، [فكان ذلك المستحب فيه] (٤).
المسألة السابعة عشرة ـ قوله تعالى : (فِي الْمَساجِدِ).
مذهب مالك الصريح ـ الذي لا مذهب له سواه ـ جواز الاعتكاف في كل مسجد ؛ لأنه تعالى قال : (وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ) ، فعمّ المساجد كلّها ؛ لكنه إذا اعتكف في مسجد لا جمعة فيه فخرج (٥) للجمعة ، فمن علمائنا من قال : يبطل اعتكافه ، ولا نقول به ؛ بل يشرف الاعتكاف ويعظم. ولو خرج في (٦) الاعتكاف من مسجد إلى مسجد لجاز له ؛ لأنه يخرج لحاجة الإنسان إجماعا ، فأىّ فرق بين أن يرجع إلى ذلك المسجد أو إلى سواه؟
__________________
(١) ارجع إلى ابن ماجة ، صفحة ٥٤٣
(٢) في هامش م هنا : مسألة في تقدير مدة الاعتكاف.
(٣) في م : وكان.
(٤) ليس في م.
(٥) في هامش م لها : مسألة في خروج المعتكف.
(٦) في م : من.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
