وتحقيق القول فيه أنها سبب وداعية إلى الجماع ، وذريعة داعية إليه ، فيختلف في حكمها كاختلافهم في تحريم الذّرائع التي تدعو إلى المحظورات ؛ فأما علماء المالكية فاعتبروا حال الرجل وخوفه على صومه وأمنه عليه من نفسه ، وقد ثبت (١) أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبّل أزواجه ـ عائشة وغيرها ، وهو صائم ، ويأمر بالإخبار بذلك ؛ لكن النبي كان أملكنا لإربه (٢).
وقد خرّج مسلم أنّ النبىّ صلى الله عليه وسلم أفتى عمر بن أبى سلمة بجوازها وهو شاب ، فدلّ أنّ المعوّل فيها ما اعتبر علماؤنا من حال المقبّل ، لكن منهم من تجاوز في التفصيل حدّ الفتيا ، ونحن نضبط بحول الله تعالى ، فنقول : أما إن أفضى التقبيل والمباشرة إلى المذي فلا شيء فيه ؛ لأنّ تأثيره في الطهارة الصغرى ، وأما إن خيف إفضاؤه إلى المنىّ فذلك الممنوع ، والله أعلم [٥١].
المسألة الرابعة عشرة ـ إن قيل : كيف يجوز أن يكون المراد بقوله تعالى : الخيط الأبيض الفجر ، ويتأخر البيان (٣) مع الحاجة إليه؟ وتأخير البيان عن وقت الحاجة إليه مع بقاء التكليف حتى يقع الخطأ عن المقصود لا يجوز.
فالجواب أنّ البيان كان موجودا فيه ، لكن على وجه لا يدركه جميع الناس ؛ وإنما كان على وجه يختصّ به بعضهم أو أكثرهم ، وليس يلزم أن يكون البيان مكشوفا في درجة يطّلع عليها كلّ أحد ؛ ألا ترى أنه لم يقع فيه إلا عدىّ وحده ، وأيضا فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يعنّف عديّا ، وأنزل الله تعالى البيان فيه جليّا.
وقد روى في حديث عدىّ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال له : إنك لعريض القفا ، وضحك ؛ ولا يضحك إلا على جائز ، وليس فيما ذكر له إلا تعريضه للغباوة.
المسألة الخامسة عشرة ـ إذا جوّزنا له الوطء قبل الفجر ففي ذلك دليل على جواز طلوع الفجر عليه ، وهو جنب (٤) ؛ وذلك جائز إجماعا ؛ وقد كان وقع فيه بين الصحابة رضوان الله
__________________
(١) صحيح مسلم : ٧٧٧
(٢) بعضهم يرويه بفتحتين بمعنى الحاجة. وبعضهم يرويه بكسر فسكون ، وهو يحتمل معنى الحاجة والعضو.
(٣) في هامش م هنا : مسألة تأخير البيان عن وقت الحاجة.
(٤) في هامش م هنا : مسألة صوم الجنب.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
