من أحد. التقدير : لا يحبّ الجهر بالسوء لأحد إلّا من ظلم.
والذي قرأها بالفتح هو زيد بن أسلم ، وكان من العلماء بالقرآن ، وقد أغفل المتكلّمون على الآية تقديرها وإعرابها ، وقد بيناه في ملجئة المتفقهين ؛ واختصاره أنّ الآية لا بدّ فيها من حذف مقدّر ، تقديره في فاتحة الآية ليأتى الاستثناء مركّبا على معنى مقدّر خير من تقديره هذا الاستثناء فنقول : معنى الآية لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول لأحد إلّا من ظلم ، بضم الظاء. أو نقول مقدرا للقراءة الأخرى : لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول لأحد إلّا من ظلم ، فهذا خير لك من أن تقول تقديره : لكن من ظلم بضم الظاء فإنه كذا. أو من ظلم فإنه كذا ، التقدير أبعد منه وأضعف ، كما قدّر العلماء المحققون في قوله تعالى(١): (إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ. إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ). قيل الاستثناء تقديرا انتظم به الكلام واتّسق به المعنى ؛ قالوا : تقدير الآية إنى لا يخاف لدىّ المرسلون ، لكن يخاف الظالمون ، إلا من ظلم ثم بدّل حسنا بعد سوء ، فإنى غفور رحيم.
الآية التاسعة والخمسون ـ قوله تعالى (٢) : (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً).
المسألة الأولى ـ قد قدّمنا القول في مخاطبة الكفّار بفروع الشريعة في مسائل الأصول ، وأشرنا إليه فيما سلف من هذا الكتاب ، ولا خلاف في مذهب مالك في أنهم يخاطبون.
وقد بيّن الله تعالى في هذه الآية أنهم نهوا عن الربا وأكل المال بالباطل ، فإن كان ذلك خبرا عما نزل على محمد في القرآن وأنهم دخلوا في الخطاب فيها ونعمت ، وإن كان ذلك خبرا عما أنزل الله عزّ وجل على موسى في التوراة ، وأنهم بدّلوا وحرّفوا وعصوا وخالفوا ـ فهل يجوز لنا معاملتهم ، والقوم قد أفسدوا أموالهم في دينهم أم لا؟ فظنت طائفة أن معاملتهم لا تجوز ؛ وذلك لما في أموالهم من هذا الفساد.
والصحيح جواز معاملتهم مع رباهم واقتحامهم ما حرّم الله سبحانه عليهم ، فقد قام الدليل القاطع على ذلك قرآنا وسنة : قال الله تعالى (٣) : (وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ
__________________
(١) سورة النمل ، آية ١٠ ، ١١
(٢) الآية الواحدة والستون بعد المائة.
(٣) سورة المائدة ، آية ٥
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
