ولقد انتهى الجهل بقوم آخرين إلى أن قالوا : إنّ الكلام قد تمّ في قوله (مِنَ الصَّلاةِ) وابتدأ بقوله : (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) وإن الواو زائدة في قوله : (وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ) وهذا كلّه لم يفتقر إليه عمر ولا ابنه ولا يعلى بن أمية معهما.
وفي الصحيح عن حارثة بن وهب قال : صلّى بنا النبىّ صلّى الله عليه وسلّم بمنى ، آمن ما كان الناس وأكثره ركعتين ؛ فهؤلاء لما جهلوا القرآن والسنة تكلّموا برأيهم في كتاب الله.
وهذا نوع عظيم من تكلّف القول في كتاب الله تعالى بغير علم ، وقول مذموم ، وليس بعد قول عمر وابن عمر مطلب لأحد إلّا لجاهل متعسّف أو فارغ متكلف ، أو مبتدع متخلف.
وهذا كله يبيّن لك أنّ القصر فضل من الله سبحانه ورخصة لا عزيمة ـ وهي :
المسألة الثامنة ـ وإذا ثبت ذلك ، فقد اختلف الناس ـ بعد ثبوت القول بأن القصر ليس بفرض ـ على قولين : الأول أنّ المسافر مخيّر بين القصر والإتمام لحديث عائشة المتقدم ، وبه قال الشافعىّ ، وجماعة من أصحابنا.
ومنهم من قال : إنّ القصر سنّة ، وعلى هذا جمهور المذهب ؛ لأنّ النبىّ صلّى الله عليه وسلّم واظب عليه في الصحيح ، وإنّ عثمان لما أتم بمنى قال عبد الله بن مسعود (١) : صلّيت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمنى ركعتين ، ومع أبى بكر ركعتين ، ومع عمر ركعتين ، فليت حظى من أربع ركعتان متقبّلتان.
الآية الثامنة والأربعون ـ قوله تعالى (٢) : (وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ، وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً).
__________________
(١) البخاري : ٢ ـ ٤٥٢
(٢) الآية الثانية بعد المائة.
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
