أغفلها العلماء ؛ وذلك أنها إذا نزلت لا نعلم هل كان ذلك بعد استقرار ما سبقها من أول السورة إلى هنا منزّلا مكتوبا ، أم نزل جميعه بعد نزولها؟ وإذا علمنا أنّ ذلك كلّه تقدم نزولا وكتابة لا يقتضى قوله ذلك إشارة إلى جميع ما تقدم من أول السورة دون ما تقدم من أول القرآن دون جميع ما فيه من ممنوع محرّم.
فالأصح أنّ قوله : (ذلِكَ) يرجع إلى قوله : (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) يقينا ؛ وغيره محتمل موقوف على الدليل ، والله أعلم.
الآية الرابعة والعشرون ـ قوله تعالى (١) : (وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ، وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ، وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً).
فيها خمس مسائل :
المسألة الأولى ـ في سبب نزولها :
يروى (٢) أن أمّ سلمة قالت : يا رسول الله ، نغزو الرجال ولا نغزو؟ ويذكر الرجال ولا نذكر؟ ولنا نصف الميراث! فأنزل الله سبحانه هذه الآية : (وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ).
المسألة الثانية ـ في حقيقة التمني ، وهو نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل ، كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي.
المسألة الثالثة ـ نهى الله سبحانه عن التمني ؛ لأنّ فيه تعلق البال بالماضي ونسيان الآجل ، ولأجل ما فيه من ذلك وقع النهى عنه ، وتفطّن البخاري له فعقد له في جامعه كتابا فقال : كتاب التمني ، وأدخل فيه أبوابا ومسائل هناك ترى مستوفاة بالغة إن شاء الله تعالى.
المسألة الرابعة ـ المراد ها هنا النهى عن التمني الذي تستحسنه عند الغير حتى ينتقل إليك ، وهو الحسد المنهىّ عنه مطلقا في غير هذا الموضع. أمّا أنه يجوز تمنّى مثله وهي الغبطة ، فيستحبّ الغبط في الخير ؛ وهو المراد بقوله صلّى الله عليه وسلّم : لا حسد إلا
__________________
(١) الآية الثانية والثلاثون.
(٢) أسباب النزول : ٨٥
![أحكام القرآن [ ج ١ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3218_ahkam-alquran-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
